إغلاق قائمة الجوال

ريتشارد ويكارت… هل نعود إلى الأخلاق الدينيّة بعد “المجزرة”؟

ريتشارد ويكارت… هل نعود إلى الأخلاق الدينيّة بعد “المجزرة”؟

حسام السعد

درج/ 29.08.2023

لا يُخفى على من يبحث عن اسم الأكاديمي الأميركيّ  ريتشارد ويكارت، موقفه المحافظ والمدافع عن الأخلاق الدينيّة، وموقفه من “التصميم الذكيّ” الذي بصورة ما ينتقد بشدّة المقاربة التطوريّة الطبيعيّة والاجتماعيّة، كونه يرى أن الداروينيّة “تحطّ من قيمة الإنسان”.

عناوين كتب ويكارت مُريبة حين تصفحها، كـ”من داروين إلى هتلر -2004″، “دين هتلر-2016″، “الاشتراكية الداروينية-1994″، أحدثها الصادر عام 2016 كتابه “موت الإنسانية وسبب الحياة- The Death of Humanity and the Case for Life” الذي صدر بترجمة عربيّة هذا العام عن مركز “دلائل” السعوديّ، الذي يلخص رسالته بـ”مُواجهة الإشكالات المُستجدة المُتعلقة بقطعيات الإسلام ونصوص الدين، عبر بناء التصورات الشرعية الصحيحة، بحُجج عقلية ونقلية تعزز الإيمان…”.

ينضم كتاب ويكارت إلى عناوين أخرى  عن المركز ذاته كـ”جناية النسويّة على المرأة والمجتمع” و”44 فرصة للملحدين والمشككين والمؤمنين”، عناوين يتّضح دورها في ضخ أفكار ومقاربات تقف بوجه “الأفكار الجديدة” التي تنتشر في العالم العربي، وتنتصر للهويات والفردانيّة، ليبدو الكتاب كـ”عينة”، مثالاً عن طبيعة خيارات الكتب “المستوردة” من “الغرب” وملاءمتها مع “المحافظة” التي تنتشر في المنطقة العربيّة.

نُشر الكتاب في لحظة أميركيّة حرجة، في العام الذي كان يجهز فيه ترامب حملته الانتخابيّة التي انتهت بتقلّده منصب الرئيس الـ45 للولايات المتحدة الأميركيّة، حيث حرب الهويات على أشدها بين  اليسار -اليسار الهوياتيّ المتحرر وبين اليمين المحافظ، الذي تمكن أخيراً  من منع حق الإجهاض ويشن حرباً ضد “الأيديولوجيا الجندريّة”، تلك التي تُتهم في العالم العربيّ بوصفها مخططاً “نيو ليبرالياً” لإفساد الشعوب، بل وصل الأمر إلى منع استخدام كلمة “جندر” في العراق، سواء في الجامعات أو وسائل الإعلام.

لا يُخفى على من يبحث عن اسم الأكاديمي الأميركيّ  ريتشارد ويكارت، موقفه المحافظ والمدافع عن الأخلاق الدينيّة

جدل الأخلاقيات البيولوجيّة

يقول ويكارت في الكتاب: “منذ عصر التنوير، احتدم هذا الجدل في الثقافة الغربية، ما أثر بعمق على فهمنا لأخلاقيات البيولوجيا كالنقاش حول الإجهاض، الانتحار، وأد الأطفال، القتل الرحيم، الهندسة الوراثية، وما إلى ذلك”، والمفاهيم التي حين نقارنها بحال المنطقة العربيّة، يمكن القول إنها بكاملها ممنوعة قانوناً.

يرى ويكارت أن من يدافعون عن “القيمة الجوهرية” للإنسان يواجهون معضلة أخلاقية ومعرفية في إثبات رؤيتهم لا فقط بمواجهة المفاهيم السابقة، بل حين يرون تصاعد عمليات الإبادة الجماعية وقبول مفاهيم العنف بأشكاله كافة؛ التصرفات التي يرتكبها “بشر”، ما زلنا في حيرة بخصوص “إنسانيتهم”، فهل هم ينفذون الأوامر فقط (الجنود النازيون)، أم هناك شر أصيل في تكوينهم البشريّ (السايكوباتيون)؟

هذا العجز في حل المعضلة الأخلاقيّة يدفع ويكارت إلى نقد “خطاب” العنف و”القضاء على البشر”، كما تجلى بشكل خاص لدى كل من الأيكولوجي إريك بيانكا وأفكاره حول  فائدة و”ضرورة” التخلّص والقضاء على تسعين في المائة من سكان العالم “عن طريق فيروس مصنّع”. وكذلك أفكار “بيتر سينغر” المتمحورة حول الأهل في قتل الأطفال حديثي الولادة أو في مسوّغات قتل الأشخاص ذوي الإعاقة.

تسللت المقاربات “العنيفة” لاحقاً إلى نظريات المؤامرة في الثقافة الشعبيّة، سواء في ما يخص وباء كوفيد، أو حقيقة التغير المناخي، أو الكوارث الطبيعيّة. ما قد يعني “صحة” انتقادات ويكارت، لكنها من منطلق أخلاقي جوهراني، تحمل جذوراً دينية في عمقها، ما تقاطع مع تحليلات سابقة له من أن “غرف الغاز في أوشفيتز “وغيرها” تم ترتيبها في مكاتب “العلماء والفلاسفة العدميين”، على حد قوله، ولذلك فإن اهتمام ويكارت يُعنى بأولئك المثقفين وأفكارهم، بصورة أدقّ التقنيات “الـعلميّة” التي ساهمت في إبادة أعداد كبيرة من البشر، والأفكار التي كانت محيطة بها.

الربط المباشر بين الأفكار و”المنجزات”، أو ما أُسس عليها من مشاريع راديكالية على أرض الواقع، يبدو أيضاً قراءة متعجلة وتحمل من الإجحاف الكثير، كالقول إن نيتشه مهّد لظهور النازيّة! وهي قراءة اختزالية وشديدة الإشكالية، كما القول إن ابن خلدون مهّد لدخول المغول إلى دمشق تحديداً.

أما في ما يتعلق بالأديان، فإن مجرد التفكير في المقارنة بينها سيدخلنا إلى الإشكالية ذاتها، فلم تكن التعاليم المسيحية الأصلية سبباً في عصور الظلام الأوروبي، وكذلك لم يكن الإسلام بتعاليمه سبباً لظهور  تنظيم “داعش” على سبيل المثال.

وقد يتساءل البعض هنا، هل يجوز توجيه النقد الى الأديان “في حالة أوروبا القرون الوسطى وداعش”  كما يوجه ويكارت نقده الى الأخلاق العدمية ونتائجها؟

أخطاء أم دفع البشريّة إلى الأمام؟

يناقش ويكارت معتقداته حول جملة الأفكار “ست مجموعات على وجه التحديد”، التي برأيه أخطأت في تشخيص الحالة البشرية، وهي: (لسنا أكثر من آلات، لسنا أكثر من حيوانات، نحن نتحكم في جيناتنا، نحن نتحكم في بيئتنا، المتعة هي الشيء الوحيد الحقيقي، الإنسان العادي أقل قيمة من الشخص الخارق).

“الأخطاء” التي يشير إليها ويكارت، نرى حالياً تطبيقاتها، خصوصاً في ما يتعلق مثلاً بـ”القرصنة الجينيّة”، ومحاولات الكثيرين تعديل حمضهم النووي في المنزل أو الكراج، أما “نحن فنتحكم في بيئتنا”، بوصفه خطأ، يمكن أن ينسحب لاحقاً إلى الأدوار الجندرية وسياسات الهويّة، التي تؤكد بوضوح الفردانيّة المفرطة، في الوقت ذاته، قدرة “الفرد” على إعادة خلق بيئته، وتكوين جسده بما يناسبه، وهذا بالضبط ما يعكس التوجه المحافظ لدى ويكارت.

هل “جيناتي جعلتني أفعل ذلك”؟

يرى ويكارت أن فكرة “جيناتي جعلتني أفعل ذلك” تسيطر على الحقول المعرفية في العلوم الاجتماعية حالياً، خصوصاً أن السؤال مستوحى من عنوان كتاب صدر عام 2000، والذي يصل إلى نتيجة مفادها أن المثلية الجنسية ليست شأناً جينياً، بل ثقافياً بحتاً، المقولة التي لا يرضى عنها أنصار الهويات الجندريّة حالياً، الذين يرى الكثيرون منهم أن الجينات تلعب دوراً حاسماً في التكوين الجندري للفرد، ما يعيدنا إلى “الطبيعة” ودورها في “تقويم” الإنسان بالشكل الصحيح.

تعميم ويكارت لا يبدو صحيحاً، لكنه يلائم القارئ المحافظ في هذه الحالة، خصوصاً أن التيارات الهوياتية والصحوة الحقوقيّة، تسببت بترك الكثير من الأكاديميين مناصبهم، وصراعات داخل الجامعات التي تتبنى هذه الفرضيات الهوياتيّة التي يصفها البعض بـ”غير العلميّة”، في حين ما زالت تنويعات الطيف الجندري مجرّمة في القوانين العربيّة، ليأتي هذا الكتاب، ليغذّي هذه الرغبة المُحافظة، التي تتجلى في البحث عن اسم ريتشارد ويكارت بالعربيّة على “يوتيوب”، لنجد كتبه مترجمة ومقروءة، ومحاضرات له في قطر، كونه يلائم توجهات قطر التي منعت “إظهار العواطف علناً” أثناء المونديال السابق، في إشارة إلى ضرورة إخفاء الميول الجنسيّة.

يبرر ويكارت سيطرة الفكرة السابقة بعدم “رغبة” العلماء في “قياس” إرادة الإنسان وحريته، ولهذا السبب فهم يتجهون نحو أفكار “علماء الأحياء” حول الجينات ودورها في تسيير إرادتنا، ذلك أن “الأخلاق” هي محض “وهم” كما يرون، وهو ما يدفع ويكارت الى التساؤل عن رأي العلم في “روح الإنسان” في حال لا يزال البشر يفكرون بأنفسهم كمخلوقات “سامية”.

يتجاهل ويكارت ربما قصداً أو عمداً محاولات البيولوجيين أنفسهم في إعادة النظر في سياسات الهويّة والتقسيمات “العنيفة” كما يصفها، متجاهلاً مثلاً محاولات عالم القرديات العليا، فرانس دو فال، ربط الهويات الجندرية مع علم القرديات العليا، مشيراً إلى التنوع الواسع  في العلاقات بين الذكور والإناث في عالم الحيوانات، وإمكان الاستفادة منها في قراءة الظاهرة البشريّة والحد من “تسلط الأفكار الهوياتيّة”.

إلى أين تقود هذه المادية كلها؟

إذا ما تتبعنا الأفكار التي ينتقدها ويكارت، ولم نجرِ عملية نقد لها، فستقودنا إلى إرساء فكرة عدم وجود شيء خارج الوجود الفيزيائي للكون، وهو ما يمكن أن يدفع الناس إلى أفكار ميشيل فوكو الانتحارية، الذي يقتبس له ويكارت عبارة: “على المرء أن يعمل على انتحاره طوال حياته”.

مواقف فوكو وسطوته العلمية سمحت للكثير من الأفكار بأن تكون قابلة للنقاش، بل والتأييد. يرى ويكارت هذا الأمر واضحاً في آراء جوديت تومسون التي جادلت في كتابها “دفاع عن الإجهاض” أنه، حتى لو كان للجنين الحق في الحياة، فإن حق المرأة في جسدها يتفوق على حق الجنين في الحياة، لأن الطفل الذي لم يولد بعد هو في الأساس دخيل يعتدي على أمه.

“الأمهات الحقيقيات على مر العصور يعرفن في أعماقهن أنه من المفترض أن يتم الاعتناء بالأطفال ورعايتهم حتى لو كانوا يمثلون عبئًا”، هكذا يدحض ويكارت بمنطقه الأخلاقي كل الكلام السابق، وهو يتكئ على “ماهية” الأخلاق البشرية التي هي كينونتهم في الحقيقة، ومن دونها فلا وجود لهم، أو في أحسن تقدير، لديهم مهام محددة تنتهي بنهاية صلاحية أداء تلك المهام.

يذكر ويكارت مقولة لـمالكولم موغيريدج: إذا لم يكن هناك إله، ولا أي غرض متسام في تجربة العيش في هذا العالم، فإن حياة الإنسان لن تكون مقدسة في جوهرها أكثر من حياة دجاجة، إذا توقفت عن وضع البيض، ولم تعد تستطيع الإطعام فيتم ذبحها. هذا الموقف يذكرنا بانتقادات نيتشه للأخلاق المسيحية، وسمات التواضع والتفكّر التي يصفها بأخلاق العبيد. لكن ويكارت ينتصر للمنظومة الحياتية والأخلاقية للأديان، ولذلك نراه يعارض فوكو وتومسون، ونيتشه وسارتر، وغيرهم الكثير؛ إذ لا يزال “الدين” كمنظومة أخلاقية قادراً على تفسير العالم وكل ما يحيط بنا خارج “جوهرنا”.

بحث ويكارت الحثيث في كتابه يتمحور في نقطة محددة وواضحة أيضاً، ولا تحتاج إلى كل الجهد الفلسفي والفكري لمنظّري النهايات “الإنسان، الحياة، الأخلاق” وغيرها. تلك هي المنظومة الأخلاقية الدينية، كنظام هذّب البشر وأعلى من شأن الإنسان، وليس مجرد اختزال إلى “تركيبات كيماوية” خاضعة لقوانين الطبيعة من دون غرض أو قيمة خاصة.

سبق ويكارت أن ناقش مطولاً أفكار C.S. Lewis’s، في مقال بعنوان “الاستجابة لتحذيرات لويس ضد الأيديولوجيات اللاإنسانية”. كانت تحذيرات لويس من “إلغاء الإنسان” حكيمة بالتأكيد في منتصف القرن العشرين. لكن المشاكل التي كشفها أصبحت أكثر وضوحاً اليوم مما كانت عليه في عصره، لذلك “نحن بحاجة إلى تحذيرات قوية ومقنعة لإعادة الناس إلى رشدهم”.

تشريح ويكارت مستفز ومحفّز، في آن معا، يدفعنا  الى إعادة النظر في ما حولنا من معارف باتت من المقدسات، لم نحاول مراجعتها أو ربطها بالسياق العام، لتزايد سلطات التحكم بالإنسان، في الوقت ذاته، التأمل في العناوين التي تترجم الى العربيّة، وطبيعة المؤسسات والجهات وراءها، والأفكار التي تحاول الترويج لها، لا يمكن إنكار أن هناك أيديولوجيات تتصارع، ومؤسسات تمول وتضخ أموالاً لأجل أفكار ومفكرين مرتبطين بمركز صنع السياسة العامة، لكن يبقى الجهد الفرديّ هو الأهم، والانتقاد من دون التسليم بأي دوغما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة للأعلى