إغلاق قائمة الجوال

أنماط التدين السوري والقضايا المدنية والسياسية

ملخص تنفيذي 

بعد مضي أكثر من عقد على قيام الثورة السورية 2011، تصاعد النقاش السياسي حول الإيديولوجيات المتصارعة على تصوراتها لشكل سوريا المستقبل. وكان من أهم تلك النقاشات؛ العلاقة بين الديني والسياسي وموقع الأول ودوره في المجتمع وسياسة الدولة السورية. نقاش لا يزال يتصاعد في ظل “الضبابية” التي ترافق كافة محاولات إيجاد طرق للحل السياسي عبر مؤتمرات أو اللجنة الدستورية أو غيرها من الحلول التي لم تنتج أي تغيير ملموس حتى اللحظة.

وفي ظل غياب المرجعيات المدنية السياسية، أُفسحت المساحة لرجال الدين والخطاب الديني في الظهور بقوة في المشهد الحياتي والسياسي السوري، وتعويل البعض عليه في إيجاد صيغة من التوافق الشعبي عليه.

وفي ظل تشابك السياسي بالديني بالاجتماعي، وفي فضاء سوري تتداخل فيه المتناقضات؛ توجهت هذه الدراسة للكشف عن العلاقة بين أنماط التدين عند السوريين وعلاقته بالحياة المدنية والسياسية، والمرجعيات المتوافق عليها.

واستنادا إلى منهجية الدراسات الاجتماعية، عن طريق تحديد متغيرات الدراسة وعينتها وأدواتها، فقد توصلت هذه الدراسة إلى أهم النتائج الآتية:

  1. ساد “نمط التدين المتوسط” في مناطق الدراسة باستثناء دول أوربا وتركيا بدرجة ثانية، التي ارتفع فيها (نمط التدين القليل)
  2. تباينت خيارات عينة الدراسة في المرجعيات القانونية “خصوصا تلك المتعلقة بالأحوال الشخصية والحياة الاجتماعية” في سوريا بين تأييدها للمرجعيات الدينية أو المرجعيات المدنية حسب نمط ودرجة التدين
  3. كانت الاختلافات في تصورات العينة لوجود التشريعات الحاكمة للحياة الاجتماعية أو تلك التي تختص ببعض الأديان والمذاهب؛ تعود إلى انحيازات لأنماط مدنية أو مرجعيات دينية أو أخرى مختلطة بين الديني والمدني
  4. رفضت عينة الدراسة مسألة (المحاصصة الدينية أو الطائفية) في الممارسة السياسية
  5. أجمعت العينة على وجود قانون يتساوى تحت سقفه الجميع
  6. أيدت عينة الدراسة المساحات الواسعة للحرية الدينية للسوريين، أنماط التدين ودرجاته، حرية الاعتقاد الديني، حرية الأديان والطوائف بممارسة طقوسها وشعائرها
  7. يوجد اتجاه إيجابي متقدم نحو قضايا مواقع وأدوار المرأة في الحياة العامة السورية، على مستويات المساواة تحت سقف القانون دون تمييز جندري، ووجودها في مناصب سياسية قيادية، وحتى في هيئات دينية رسمية
  8. كان الانتماء الأول هو للانتماء الوطني السوري، ثم الانتماء الديني، وثالثا الانتماء العائلي
  9. تراجع اهتمام السوريين بمتابعة التطورات السياسية في سوريا
  10. عدم وجود جسم أو هيئة سياسية أو دينية حازت على توافق عينة الدراسة كمرجعية سياسية لها
  11. نكوص باتجاه المرجعيات “الأولية” في فهم السياق السياسي السوري
  12. برزت الحاجة إلى وجود هوية وطنية سورية جامعة ينضوي السوريون تحت رايتها

 

مقدمة نظرية .. التدين السوري والحياة الاجتماعية والسياسية

 

يُشكل دور “الدين” في المجتمع والدولة محورا رئيسا في السجال السياسي الذي شهدته سوريا بدءا من مرحلة الاستقلال في أربعينيات القرن العشرين. وبعد سلسلة من الإرهاصات السياسية؛ استقرت أحوال الحكم إلى حزب البعث وسيطرته على الدولة والمجتمع.

شهدت فترة حكم البعث في بداياته، قبل أن يتفرد بمقدرات الحياة السورية كافة، بروز مجموعة من التيارات الدينية، وكان التجلي الأكبر لها في مرحلة نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات “على الجانب السياسي” تنظيم الإخوان المسلمين. وشهدت المرحلة “بسبب القمع السياسي المتزايد” ظهور بعض التيارات الراديكالية مثل “تنظيم الطليعة المقاتلة”، الذي تقدم خطوة باتجاه العنف بالعلاقة مع السلطة وتحديدا “حادثة مدرسة المدفعية”.

وفي عام 1980 نفذت “سرايا الدفاع” مجزرة سجن تدمر، التي راح ضحيتها حوالي ألف معتقل من التيارات السياسية كافة، بحجة “محاولة اغتيال فاشلة” تعرض لها حافظ الأسد، اتهم بها جماعة “الإخوان المسلمون”. وتبعها إصدار قانون يقضي بإعدام كل من يدان بأي علاقة بجماعة “الإخوان المسلمون”؛[1] الأمر الذي مهّد لمئات المجازر بحق السوريين، والتي كان من أبرزها وأشدها مجزرتي حماة الشهيرة والمشارقة في حلب.

مع بداية مرحلة التسعينيات، تم “تدجين” الخطاب الديني السوري، لاسيما بنسختيه “الدمشقية والحلبية”، وتماهى الخطاب الديني على المستوى الاجتماعي والسياسي مع ما تطلبته سلطة البعث؛ التي تحكمت بكل مقادير الحياة الدينية السورية “جذبا وتنافرا” حسب مصالحها المحلية والإقليمية.

وعلى سبيل التذكير، فقد استخدم النظام التيارات الإسلامية السورية والعربية لتخديم مصالحه الداخلية لزيادة إحكام “استعصاء” الحياة السياسية خصوصا مع بداية حراك ربيع دمشق المجهض، وقد تجلى ذلك عن طريق إيديولوجيا دينية طهرانية “حزب الله ذو المرجعية الإيرانية على الأرض اللبنانية” وخطابه الشعبوي على شعوب دول الطوق العربي.

واستغل النظام أيضا تجربة “حركة المقاومة الإسلامية/ حماس” في بحثها عن دعم عربي محيط يسهم في تحقيق أهدافها في الوصول إلى شكل جديد من البراغماتية في الصراع مع إسرائيل. ثم عادت واستخدمت المنابر الدينية ذات التوجه الجهادي “بتغذية منها” أو الشخصيات التي كانت تعتقلها تحت حكم الإرهاب سيما في سجن صيدنايا، وتم فتح الطريق للكثير من المجموعات للذهاب إلى العراق وقت الغزو الأميركي عام 2003، قبل أن تعود بعض تلك المجموعات ويُعاد الزج بها في سجون النظام. أما من اتخذ مشروعا سياسيا دينيا بمعزل عن مصالح النظام وقواه الأمنية، فقد كان مصيره التصفية لقطع الطريق أمام أي حراك سياسي ديني، يمثل بالنسبة للنظام أخطر الإيديولوجيات المضادة، بسبب من اعتماده البنيوي “النظام” على الدين و”الطائفة” في تكريس سيطرته على البلاد، والخشية من مشروع سياسي على حامل ديني يلقى الإجماع ويلتف حوله السوريون.

في الأحوال كافة، لم تنشأ علاقة واضحة بين الخطاب الديني السياسي وبين الحواضن الشعبية. صحيح أنه كان هناك الكثير من التعاطف والغضب تجاه المجازر والإقصاء الذي مورس بحق تلك الأحزاب أو التيارات، إلا أن الحراك الشعبي لم يكن واردا في الحسبان، بعد أن أحال النظام الجسد الاجتماعي السوري إلى جثة هامدة غير قادرة على الفعل.

وربما بسبب من عدم ارتباط السياسي بالجانب الديني لدى السوريين، لاسيما النخب الدمشقية والحلبية، فقد كان النمط السائد للتدين السوري هو  “الاعتدال”، في قطيعته مع السياسة كموقف وتخديمه لها كمصلحة للطرفين، وذلك ضمن أطر المرجعيات الدينية السورية التي ابتعدت عن الشأن السياسي وحرّمت “في كثير من مدارسها ومعلميها” الخروج على الحاكم.

في الأحوال كافة، وبعد عنف أحداث الثمانينيات من القرن العشرين؛ سيطر النظام السياسي على المشهد الديني في سوريا. فأثناء وبعد المعمعة الكبرى في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات؛ وتحت ضغط القبضة الأمنية للنظام، تفتت الجماعات الدينية، وتم تقييد فتح المساجد “ما عدا أوقات الصلاوات فقط”، وأغلقت كذلك بعض المدارس الشرعية التابعة لبعض الجماعات الدينية في المساجد.

قرّب النظام مجموعة أخرى من المشايخ (وجماعاتهم) الذين عارضوا منهج العنف والخروج على الحاكم وأبدوا استعدادا للتعامل معه من أجل تهدئة الأوضاع. واصطفى النظام السياسي مجموعة من العلماء-المشايخ ليأسسوا معاهد شرعية تطورت خلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة إلى مجمعات تعليمية ضخمة (وشبكات اجتماعية ودينية أيضاً).[2]

وهكذا تأسست خارطة دينية سياسية جديدة في سوريا؛ ضمت خليطا من الشخصيات والجماعات الدينية، وباتت تشكل أو تعيد تشكيل كيانات دينية جديدة وتغير في وسائلها وتكتيكاتها وتتبنى التدين التعليمي الشرعي الصامت البعيد عن السياسة. وبدأت في نشر تدينٍ شعبي أو علمي تخصصي أو مسجدي يتلاءم بتنوعاته مع معطيات البيئة المحيطة اجتماعيًّا وسياسيًّا. وقد احتضن النظام السوري عبر أذرعه وأجهزته المخابراتية، وجِهاته الحكومية التنفيذية “وزارات الأوقاف والتعليم العالي والتربية” هذا التدين وسيطر على أربابه وبالتالي سيطر على المجتمع المتعلق بأرباب هذه الجماعات والمتأثر بأقوالها وأفعالها.[3]

وشهد عهد بشار الأسد تحولاً آخر. إذ واجه الأسد الإبن تحديات مختلفة دفعته باتجاه جماعات مشيخية وشخصيات دينية كانت قد أصبحت هامشية في التسعينيات ليحققوا توازناً مع الجماعات التي ظهرت في عهد الأب وليواجهوا مع الإبن تحديات مثل الانفتاح وتبعات هجمات 11 أيلول والغزو الأمريكي للعراق ومقتل الحريري وإخراج القوات السورية من لبنان. ورغم أن هذه الجماعات الجديدة تضخمت بشكل لم يتوقعه النظام ومارست ضغوطاً عليه، إلا أنه مارس معها لعبته القديمة في استغلال صراعاتها الداخلية.[4]

بالمقابل، وفي ظل المشهد الديني بنسخته السنيّة وعلاقته بالسياسة؛ استوعب “سيطر” النظام على رجال الدين المؤثرين في كل دين أو طائفة على حدة، وربط مصالح أتباعهم بمصالح النظام في معادلة تعتمد على ابتعادهم عن الانخراط في العمل السياسي وإبقاء دورهم كشخصيات أو كهيئات أو سلطات دينية تقدم له خدمات وظيفية يستطيع استغلالها وقتما يريد، مع إعطاء مساحة لحرية العمل الأهلي والاجتماعي والخدمي أو التنموي “الخاص ببعض الطوائف” وكل ما يرتبط به، ما دام يبتعد عن الاقتراب من الحياة السياسية والتأثير فيها. وهذا ما تم العمل عليه مع رجال الدين المسيحيين والكنائس والمؤسسات المختلفة اللاهوتية والدنيوية التابعة لهم، وكذلك مع رجال الدين في كل طائفة “الدرزية، المرشدية، الاسماعيلية، الخ”.

وكان الحراك الشعبي قد أزاح الستار عن آليات “تطييف” النظام لأجهزة الجيش والأمن بالغالبية من الطائفة العلوية، وكذلك وجود “نقاط ارتباط” ثابتة “من المكوّن العلوي” في مؤسسات وقطاعات الدولة كفيلة بمهمة الحفاظ على منسوب الرعب والخوف في سوريا طول عقود الحكم العائلي. وفي ظل هذه السيطرة المحكمة، لم يكن النظام ليغامر بإبراز رجال دين سياسيين من طائفته.

مع بداية الحراك الشعبي في سورية 2011، لم يكن الدين “كمتغير ونمط حياة أو مشروع سياسي” هو أحد مسبباتها أو محركاتها الرئيسة. لكن النزوع إلى الكرامة والحرية كان طاغيا مع انطلاق الثورة. ولم يكن خطاب الثورة وبعض حامليها ليتغير إلا بعد سلوك النظام الطائفي تجاه الحراك الشعبي، الذي أسس لانبثاق إيديولوجيات دينية تختلف في درجة وشدة راديكاليتها.

ثمة نقطة لا بد من التنويه إليها هنا، وهي أن المظاهرات التي كانت تخرج كل يوم جمعة من المساجد، لم تكن ترتبط ببعد ديني عام يسم الحراك الشعبي، بقدر ارتباطها بـ “مكان تجمّع” للمتظاهرين في ظل منع التجمعات بين السوريين بقرار أمني من النظام. وكانت الجوامع عبارة عن مكان جغرافي يسمح بوجود مجموعة بشرية قادرة على الخروج وبدء التظاهر، بغض النظر عن تدين المتظاهرين أو عدمه، أو حتى عن وجود بعض الخلفيات الفكرية الدينية لقطاع معين من المشاركين في تلك المظاهرات.

أدّت جملة من الأحداث المتسارعة إلى إعادة طرح الكثير من الأسئلة المسكوت عنها “سلطة الشريعة، الدولة الإسلامية، هوية الدولة والمجتمع، الحريات الاجتماعية والدينية والسياسية، الخ”؛ أسئلة باتت مشروعة في ظل تطبيقات شهدها السوريون على أرض الواقع “دولة الخلافة/ داعش”، حكومة الإنقاذ، والمحاكم الشرعية في معظم المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

بات السجال حول علاقة الدين ودوره في المجتمع و”الدولة” بشكل خاص، من القضايا التي أسست للكثير من الإجماع أو الافتراق في تفاصيل الحياة السورية “الاجتماعية والسياسية” بعد عام 2011؛ ترافقا مع ما خبرته الساحة السورية في العقد الأخير، من بروز أشكال مختلفة من التيارات الراديكالية، وطغيان الخطاب الديني على طيف واسع من المعارضة السورية “السياسية والعسكرية”.

تشعب الخطاب الديني وانقسامه واختلافه عن بعضه البعض في الحالة الاجتماعية، انسحب “بالضرورة” على الخطاب السياسي وكذا التوجه السياسي للسوريين في أماكن تواجدهم المتعددة، وهو ما أسس تتاليا لنقاش بات مسموعا ومقروءا على مستوى القواعد الاجتماعية حول “هوية المجتمع والدولة” وعلاقتها بالدين.

ورغم التجارب التي تجسدت على أرض الواقع في وجود حكم “خلافة إسلامية” كما في حال “تنظيم الدولة” أو “هيئة تحرير الشام” التي أفرزت حكومة تسيّر الشؤون المدنية والخدمية والاقتصادية “حكومة الإنقاذ” في إدلب.إلا أن المواقف السلبية “في غالبيتها” من تلك التجارب أشار إلى وجود العديد من التصورات لمفهوم الدين في جانبه السياسي بشكل خاص ومدى فعاليته في التطبيق على المستويين الاجتماعي والسياسي.

 

القسم الأول: توطئة ترمنولوجية

 

أولا- إشكالية الدراسة

لطالما اتسم “نمط التدين” في سورية بـ “الاعتدال” بشكل عام، لاسيما في العلاقة بين مفاعيل نمط التدين والحياة العامة بعيدا عن الشأن الشخصي الخاص. وقد سبغ هذا النمط الشخصية السورية على مدى عقود طويلة، على الأرجح، لاسيما في التاريخ المعاصر.

تختلف البيئات المحلية في سورية “بالطبع” بين بعضها البعض، كغيرها من المجتمعات ذات المكوّنات المتعددة، مضافا إليها حكم سياسي ديكتاتوري استبعادي؛ يختلف بالتالي معه الدور الاجتماعي والسياسي للدين باختلاف حامليه والنسق الثقافي في البيئة المحلية داخل المجتمع الواحد. وهكذا يمكن لنا الحديث عن أنماط تدين خاصة بكل ثقافة محلية على حدة، تطغى فيها بعض الأنماط على حساب الأخرى.

مع بداية الحراك الشعبي في سورية 2011، لم يكن الدين “كمتغير ونمط حياة أو مشروع سياسي” هو أحد مسبباتها أو محركاتها الرئيسة. لكن النزوع إلى الكرامة والحرية كان طاغيا مع انطلاق الثورة. ولم يكن خطاب الثورة وبعض حامليها ليتغير إلا بعد سلوك النظام الطائفي تجاه الحراك الثوري، الذي أسس لانبثاق إيديولوجيات دينية تختلف في درجة وشدة راديكاليتها. وربما كانت لدى تلك التيارات الناشئة اتجاهات دينية كامنة بدرجات متفواتة، تم تعزيزيها بسلوك عنف ديني/ طائفي مضاد من قبل النظام.

وقبل ذلك، أدت عمليات التنمية “المنقوصة” وظيفتها المثالية “المخطط لها” في عودة المجتمعات المحلية للولاءات الأولية والتفسيرات الاجتماعية التقليدية للدين، مترافقة مع الانكفاء عن العمل السياسي ضمن أطر المرجعيات الدينية السورية التي ابتعدت عن الشأن السياسي وحرمت “في كثير من مدارسها ومعلميها” الخروج على الحاكم.

لاحقا، ومع تتالي السنوات وازدياد الإرباك في الحالة السياسية السورية “هيئة تفاوض ومؤتمرات ولجنة دستورية” وغيرها، فقد السوريون ثقتهم “الضئيلة مسبقا” في القيادات السياسية والمتحدثين باسمهم والحاملين لمشاريع تمثلهم على أمل الوصول إلى تسويات سياسية ترسم شكل سورية المستقبل.

بات السجال حول علاقة الدين ودوره في المجتمع و”الدولة” بشكل خاص، من القضايا التي أسست للكثير من الإجماع أو الافتراق في تفاصيل الحياة السورية “الاجتماعية والسياسية” بعد عام 2011؛ ترافقا مع ما خبرته الساحة السورية في العقد الأخير، من بروز أشكال مختلفة من التيارات الراديكالية، وطغيان الخطاب الديني على طيف واسع من المعارضة السورية “السياسية والعسكرية”، ناهيك عن تجربة الشتات والتهجير، والعودة للانتماءات الأولية الضامنة للأمن والحماية الفردية.

تشعب الخطاب الديني وانقسامه واختلافه عن بعضه البعض في الحالة الاجتماعية، انسحب “بالضرورة” على الخطاب السياسي وكذا التوجه السياسي للسوريين في أماكن تواجدهم المتعددة، وهو ما أسس تتاليا لنقاش بات مسموعا ومقروءا على مستوى القواعد الاجتماعية حول “هوية المجتمع والدولة” وعلاقتها بالدين.

ورغم التجارب التي تجسدت على أرض الواقع في وجود حكم “خلافة إسلامية” كما في حال “تنظيم الدولة” أو راديكالية “حكومة الإنقاذ” في إدلب، أو حتى المزاج الديني لدى الجيش الوطني في مناطق النفوذ التركي؛ إلا أن المواقف السلبية “في غالبيتها” من تلك التجارب أشار إلى وجود العديد من التصورات لمفهوم الدين في جانبه السياسي بشكل خاص ومدى فعاليته في التطبيق على المستويين الاجتماعي والسياسي.

ما يثير الانتباه هنا هو وجود خطاب ثابت لدى جميع الفرقاء حول مفهوم “الشريعة أو التشريع الديني الإسلامي”، لكن كل يصدّره بنموذجه الخاص والذي يتعارض في معظم الحالات مع النماذج الأخرى، وهذا الأمر يرفع منسوب صحة النموذج وخطأ النماذج الأخرى لاسيما في حال وجود “جماعات” ومريدين، مؤسسات دينية، شخصيات مرجعية، الخ.

وعود على بدء؛ فقد تم تهجير السوريين إلى دول الجوار وأوربا وغيرها من الدول، حاملين معهم أنماطهم الحياتية والاجتماعية، والدينية كذا الأمر. وتأثر السوريون بدرجات متفاوتة أيضا عند اختلاطهم بالمجتمعات الحاضنة أو المحيط الذي وجدوا أنفسهم بين ظهرانيه. وكانت سورية قد قُسّمت إلى “حكومات” مناطق سلطات أمر واقع، تلغي كل منها شرعية الأخرى (حكومة دمشق، الحكومة السورية المؤقتة، حكومة الإنقاذ، حكومة قوات سوريا الديمقراطية)

بناء على ما سبق، فإن هذه الدراسة تُعنى بسبر العلاقة بين التوجه الديني لدى السوريين (الشخصي أو المؤسسي)، ومفاعيل هذا التوجه على تبني بعض الإيديولوجيات السياسية دون غيرها وأسباب ذلك، وكذلك الاتجاهات نحو بعض الخيارات السياسية وأسباب تلك التوجهات، مستندين في ذلك إلى:

1- ملاحظة تعاظم دور الدين في الحياة الشخصية والأسرية للسوريين

2- ملاحظة ظهور نمط من “التمثلات الجمعية” الدينية لدى السوريين وانسحابها على الحياة العامة

3- تأثير بعض الشخصيات والمؤسسات الدينية على اتجاهات السوريين نحو الحياة العامة ومنها الحياة السياسية

ثانيا- أهمية الدراسة

بناء على دراسات ميدانية متقاطعة[5]، فقد تم رصد ملاحظتين عامتين:

1- فقدان الثقة بالنخب السياسية، لاسيما التي تمثل السوريين على المستوى الرسمي “المعارضة” وعدم الثقة بنجاعتها في التوصل إلى حلول سياسية تلبي طموحات السوريين “لاسيما الشباب منهم” في تصوراتهم لسورية المستقبل.

2- تصاعد الارتكاس إلى المنظومة الدينية بنسختها الشعبية، وانسحاب ذلك على الاتجاهات العامة في تصورات الحالة السياسية في سورية المستقبل من خلال ربط هوية المجتمع والدولة بالدين.

صحيح أن معظم الدراسات لم تدخل في صلب العلاقة بين الدين والسياسة كموضوع بحثي رئيس، إلا أن جزءا من استمزاجها للحالة السورية ركز على بعض التفاصيل التي تتعلق بهذا المتغير.

من هنا، واستنادا إلى النقاشات السائدة في الشأن العام، ولاسيما في العلاقة بين اتجاهات السوريين نحو الوضع السياسي الآني والمستقبلي، وتعالي بعض الأصوات التي تطرح العلاقة بين فكرة الدين وهوية المجتمع والدولة؛ تبدو دراسة هذه العلاقة في الوقت الراهن على درجة من الأهمية لما يمكن أن تستشرفه من تصورات الحياة العامة في سورية مستقبلا، ترافقا مع:

1- تزايد “المنظور الديني” في ثقافة الحياة اليومية للسوريين “بشكل متباين في أماكن تواجدهم”، مما قد يشكل وجهة نظر حياتية أو ما يمكن تسميته بـ “رؤية وفلسفة للحياة”، يكرس الخيارات السياسية بناء على تلك الرؤية

2- بروز بعض الشخصيات والمؤسسات الدينية السورية المؤثرة، ترافقا مع تراجع الثقة المجتمعية بالمممثلين السياسيين في عملية الحلول السياسية المتعلقة بسورية المستقبل في مجتمعات السوريين على اختلاف أماكن تواجدهم

3- اتخاذ بعض التيارات الدينية شكل مؤسسي “مدارس ومريدين”، مما يعني وجود مشاريع ذات بعد إيديولوجي كنتيجة للفراغ السياسي

ثالثا- أهداف الدراسة

تُعنى الدراسة، في تصورها الأولي، بالبحث بما يأتي:

1- الجهات الدينية الفاعلة “شخصيات، مؤسسات” على الرأي العام السوري

2- التجاذبات والاستقطابات السياسية “الأكثر تأثيرا” ذات المرجعية الدينية إيديولوجيا على السوريين

3- التوجه الديني كأحد محددات الاتجاهات السياسية لدى السوريين

رابعا- تساؤلات الدراسة

انطلقت الدراسة من سؤال رئيس وهو: هل يؤثر نمط التدين الشخصي ودرجته في اختيارات السوريين في الحياة المدنية والسياسية؟

وتفرع عن هذا التساؤل عدة تساؤلات فرعية، هي:

1- ما هي أنماط التدين لدي السوريين

2- ما هي أنماط الشخصية السورية

3- ما هي علاقة نمط الدين ونمط الشخصية بخيارات الحياة التشريعية والمدنية في سوريا المستقبل

4- ما هي علاقة نمط الدين ونمط الشخصية درجة الالتزام الديني بخيارات الحياة السياسية في سوريا المستقبل

5- ما هي الشخصيات والمؤسسات الدينية الفاعلة التي تشكل مرجعية لدى أنماط التدين والشخصية

6- ما هي الشخصيات والمؤسسات السياسية التي تشكل مرجعية لدى أنماط التدين والشخصية

6- ما هو موقع السوريين من الانتماءت المختلفة في سورية

7- ما هو موقف أنماط التدين والشخصية من أدوار المرأة في المؤسسات السياسية والدينية

خامسا- مفهومات الدراسة ومصطلحاتها

1- أنماط التدين: درجات تمثل الأفراد للتعاليم والشعائر وممارسة الطقوس الدينية

2- الالتزام بالمبادئ الأخلاقية للدين: تمثل الفرد لمنظومة القيم القادمة من التعاليم الدينية

3- المنفصل/ة: وجود حالة طلاق رسمي، أو طلاق نفسي، أو انفصال بين الطرفين في مسكن واحد أو مستقل لكا منهما دون أن يكون الطلاق رسميا

4- مكان الإقامة الأصلي في سورية: هو المكان الذي عاش فيه الفرد غالبية سنين حياته وليس مكان الولادة

5- حرية الاعتقاد الديني: المقصود هو خيارات الفرد في التدين أو عدمه

سادسا- منهجية الدراسة

تعتمد الدراسة على “المنهج الوصفي التحليلي” الذي يصف الظاهرة محل الدراسة، ويفسرها. ويعتمد هذا المنهج على تفسير الوضع القائم وتحديد الأوضاع والعلاقات الموجودة بين المتغيرات. ويتعدى ذلك إلى تحليل هذه البيانات، وربطها، وتفسيرها، وتصنيفها، وقياسها، واستخلاص النتائج منها.

اعتمدت الدراسة على “الاستبيان” كأداة جمع البيانات الرئيسية، وقد تم تصميمه بالاستناد إلى الإطار النظري ليغطي كافة متغيرات الدراسة، وتعطي بيانات ومؤشرات حول الاتجاهات المختلفة حيال القضايا المطروحة، والارتباط مع المتغيرات “المستقلة” المفسرة.

أ- عينة الدراسة

في ظل عدم وجود “إطار عينة” واضح وشامل؛ ما يزال الجهد البحثي يفتقد إلى بيانات دقيقة حول المتغيرات المختلفة التي تخص السوريين، لاسيما مع الانزياحات الديمغرافية المتغيرة على فترات قصيرة المدى. لذلك نلجأ هنا، في تحديد عينة الدراسة، إلى الطرق العلمية في اختيار العينة، واعتبار كل منطقة هي مجتمع بحث أصلي، وهو يحيلنا إلى واحدة من أكثر الطريقة علمية في اختيار العينة، وهي معادلة (ستيفن ثامبسون)[6] التي تحدد الحجم الممثل للمجتمع الأصلي بـ (384) مفردة.

والحقيقة أن هناك كثير من المعادلات الخاصة باختيار حجم عينة ممثلة، مثل معادلة روبرت ماسون، ومعادلة ريتشارد جيجر، ومعادلة هيربرت أركن. هذه الطرائق جميعها يتراوح فيها حجم العينة المقبولة لمجتمع حجمه بين 1300 ولانهايةـ هي بين 300 و385، ومن ثم حتى لا يحصل الدخول في متاهات حسابية يمكننا أن نعمل على تحديد عينة من (400) مفردة في كل منطقة. ومع ذلك، فقد بلغ حجم العينة الكلي في المناطق السبع للدراسة 2860 مفردة بحثية.

بعد ذلك تم الاعتماد على “العينة الحصصية “على عينات الدراسة بالتوزيع المتماثل مع مراعاة متغيرات مستقلة رئيسة (الجنس، مستوى التعليم، الحالة المهنية، الحالة الاجتماعية، مكان الإقامة الأصلي).

يجب التنويه هنا إلى أن المتغير الرئيس في هذه الدراسة هو متغير (الدين/ الطائفة)، وهو ما أجبرنا على تغيير توازن حجم العينة، وذلك لأسباب علمية خاصة بهذه الدراسة دون غيرها. إذ كانت مناطق سيطرة الحكومة السورية (دمشق) هي الأكثر حجما في عينة الدراسة، وذلك لسببين، أولهما: أن حركة التهجير واللجوء السوري قد طال المكوّن (السنّي) بالدرجة الأولى، وبالتالي بقاء المكونات المذهبية الأخرى متركزة في مناطق سيطرة حكومة دمشق. وكون المذهب هو المتغير الرئيس هنا فقد تم الالتفات هنا إلى تمثيل تلك الطوائف الدينية المختلفة، وهو ما جعل التوزع إحصائيا في العدد يبدو غير واضحا بالنسبة للقارئ. لذلك وجب التنويه.

 

 

وبخصوص الأرقام المتعلقة بتعداد الطوائف في سوريا، لم نجد إلا المصدر الحديث لأعداد تقريبية من قبل موقع “سفارة الولايات المتحدة في سوريا)، وبحسب “التقرير الدولي “الصادر عنها” بشأن الحرية الدينية في سوريا لعام 2020″[7] كانت نسب المكونات الدينية في سورية هي: 74% سنّة، 13% علويين وشيعة ومرشدية واسماعيليين، 10% مسيحيين، 3% دروز.

هنا حسب التقسيم الديني: 65% سنة، 10% مسيحيين، 10% علويين، 10% مرشديين واسماعيليين وشيعة، 3% دروز، 2% إيزيديين.

ب- مناطق تنفيذ الدراسة

مناطق سيطرة النظام السوري، مناطق شمال غرب سورية (إدلب وتوابعها الإدارية)، مناطق الحكومة السورية المؤقتة، مناطق شمال شرق سورية(قسد)، تركيا، أوربا، دول الجوار العربي

ت- الاستبيان وجمع البيانات

تكون الاستبيان من (23) سؤالا، توزعت على الأقسام الآتي: (البيانات العامة “المتغيرات المستقلة”، الدين ولشأن الشخصي، التدين والحياة المدنية، التدين والحياة السياسية).

أما عملية جمع البيانات، فقد قام بها (45) جامع وجامعة بيانات، 24 من الإناث و21 من الذكور في مناطق الدراسة. وقد تم تدريب جامعي وجامعات البيانات على الاستبيان وشرح التفاصيل الدقيقة وتقديم الإرشادات الخاصة بدليل الاستبيان.

3- تحليل البيانات

بعد الانتهاء من جمع بيانات الدراسة، وترميزها وتفريغها، تمت معالجة وتحليل البيانات واستخراج النتائج الإحصائية باستخدام برنامج “الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية”SPSS .

وقد تم اللجوء إلى عدد من المعاملات والاختبارات والمعالجات الإحصائية ومعاملات الارتباط، حسب ما تطلبته البيانات واتجاه التحليل.

ثم كانت مرحلة تحليل البيانات سوسيولوجيا، بناء على علاقات الارتباط القادمة من البيانات، واستنادا إلى القراءة الاجتماعية والثقافية والسياسية للعلاقة بين متغيرات الدراسة.

سابعا- سوسيولوجيا التحليل

يستند تحليل البيانات هنا، إلى اتجاه تحليل سوسيولوجي محدد. فقد اشتغلت الدراسات الاجتماعية الميدانية السورية خلال عقود طويلة، وبشكل خاص تلك التي تناولت تفاصيل حياة السوريين الحالية أو تصوراتهم المستقبلة؛ على قراءات تحليلية إحصائية بحتة للمتغيرات “التابعة والمستقلة والوسيطة” وغيرها. وكان هذا الاتجاه في التحليل مناسب للعديد من الظواهر وتم العمل به واستخلصت الكثير من النتائج الهامة لفهم الوضع السوري؛ إلا أن بعض الظواهر الأخرى كانت تحتاج إلى قراءة وتحليل في أكثر من اتجاه أو مسار حسب طبيعة الظاهرة المتناولة بالدراسة. إن الاعتماد على التحليل الإحصائي “العمودي” في بعض الدراسات التي تتطلب رؤية عميقة للظاهرة؛ واتخاذ الرقم الإحصائي معيارا ثابتا دون مناقشته أو إدخاله في تقاطعات مع أرقام أخرى قد تكون أدنى بنسب طفيفة؛ يجعل التحليل غير مكتمل الجوانب أو ينقصه “في أحسن الأحوال” إعطاء بعض المتغيرات أولويات أيضا في تحليل النتائج، وهو في النهاية ما يجعل التحليل “صحيحا” على المستوى الإحصائي، لكنه مضللا على المستوى التفسيري السوسيولوجي.

يستفيد التحليل في هذه الدراسة من المناخات التحليلية النظرية لكل من المنظّر الفرنسي (لوي ألتوسير)، الذي حاول تطوير تحليلات للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن طريق نطاق تفسير يفسح المساحة للأنساق العمودية بأن تتوازى وبالتالي يتم العمل على تحليلها أفقيا. وكذلك عالم الاجتماع الفرنسي (بيير بورديو) الذي نظّر لمفاهيم الحقول المجتمعية “الفضاءات” المتناظرة والتي تملك آليات خاصة لعملها بمعزل عن الحقول الأخرى وبتوازي أيضا في تقاطعات البنى الخاصة بكل حقل. وهذا يعني، في تفسير عام، تحليل الأنساق الكبرى والصغرى بناء على رؤى أفقية لتحليل العوامل الخاصة بكل حقل والظواهر التي تنضوي وتنتمي إليه.

 

 

 

القسم الثاني: نتائج الدراسة الميدانية

 

أولا- الخصائص العامة لعينة الدراسة

نعرض فيما يأتي الخصائص العامة لعينة الدراسة الميدانية، حسب المتغيرات المستقلة الرئيسة

1- الجنس

توزعت عينة الدراسة حسب متغير الجنس على نسبة 51.7% للإناث و48.3% للذكور، وفق ما هو موضح في الشكل الآتي:

شكل رقم (1) يبين توزع عينة الدراسة حسب متغير الجنس

2- الشريحة العمرية

توزعت عينة الدراسة إلى عدة فئات عمرية، كما هو موضح في الشكل الآتي:

شكل رقم (2) يبين توزع عينة الدراسة حسب الشريحة العمرية

 

3- توزع العينة حسب متغير المستوى التعليمي

توزعت عينة الدراسة إلى عدة مستويات تعليمية، كما هو موضح في الشكل الآتي:

 

شكل رقم (3) يبين توزع عينة الدراسة حسب المستوى التعليمي

 

4- توزع العينة حسب متغير الحالة الاجتماعية

شكل رقم (4) يبين توزع عينة الدراسة حسب متغير الحالة الاجتماعية

 

 

 

5- توزع العينة حسب مكان الإقامة الحالي

شكل رقم (5) يبين توزع عينة الدراسة حسب مكان الإقامة الحالي

تم توزيع عينة الدراسة إلى عدة مناطق، حسب تواجد السوريين، كما هو موضح في الشكل أعلاه، وقد كانت النسبة الأكبر للعينة في مناطق سيطرة الحكومة السورية في دمشق. (راجع فقرة عينة الدراسة).

أما بالنسبة للمناطق خارج سوريا، فقد توزعت عينة أوربا على دول: ألمانيا وفرنسا 3.9%، السويد 2.9%، هولندا 2.7%، النمسا 0.2%، وبلجيكا 0.1%. أما بالنسبة لدول الجوار، فقد كانت عينة تركيا 11.6%، لبنان 7%، الأردن 2.1%، العراق (إقليم كردستان) 2%. (راجع ملحق جداول الدراسة).

 

6- توزع العينة حسب مكان الإقامة الأصلي

شكل رقم (6) يبين توزع عينة الدراسة حسب مكان الإقامة الأصلي

7- توزع العينة حسب الحالة المهنية

شكل رقم (7) يبين توزع عينة الدراسة حسب الحالة المهنية

 

 

8- توزع العينة حسب الديانة والطائفة الدينية

تمت مراعاة التمثيل المتوازن للديانات والطوائف في سوريا[1] استنادا إلى البيانات الرسمية “المتوافرة” حول نسب الطوائف في المكوّن الديني السوري، وعليه تم احتساب التمثيل المتماثل لتلك الأديان والطوائف، والشكل الآتي يوضح ذلك:

شكل رقم (8) يبين توزع عينة الدراسة حسب الديانة والطائفة الدينية

 

 

ثانيا- أنماط تدين متنوعة .. والنمط المتوسط هو السائد

استنادا إلى مقياس من أربع عبارات (قيم) (انظر استبيان الدراسة) تتعلق بالشعائر والطقوس الدينية من جهة والقيم المتمثلة القادمة من تعاليم الدين أو الطائفة، وموقعها من سلوك المستجيبين من العينة، على درجات تبدأ من الصفر حسب مقياس رباعي، تم استخراج أنماط التدين لدى عينة الدراسة “بناء على عملية التوزين “التثقيل” إحصائيا.

 

القيم أو العبارات الدينية هنا تعّبر عن نمط من تمثل وممارسة الشعائر والطقوس والتعاليم الدينية الخاصة بالدين أو الطائفة الدينية التي ينتمي إليها المستجيب، على مستوى حياته الخاصة.

 

وكان قد تم تقسيم أنماط التدين إلى أربعة أنماط هي: غير متدين، متدين بشكل قليل، متدين بشكل متوسط، متدين ملتزم “بشكل كبير”.

 

من خلال عملية “تثقيل” إحصائية، قمنا بإعطاء درجات رقمية لكل مستوى من ممارسة الشعائر والطقوس وتعاليم الدين الخاصة بكل دين أو طائفة. وتم استخراج أربعة أنماط للتدين كما هي مذكورة في النص.

ويجب التنويه إلى أن أنماط التدين المختلفة تشير هنا إلى “درجة” التزام الفرد بممارسة الطقوس الخاصة بدينه أو طائفته، دون أن يعني الالتزام القليل هو مرونة أو الالتزام الكبير تشددا. لأننا نتحدث هنا عن “نمط” من الالتزام الشخصي بتعاليم الدين فقط. ولذلك فقد ظهر معنا نمط “غير متدين” أيضا ليدل على أدنى درجة من الالتزام بالتعاليم الدينية.

 

وقد كانت نتائج المقياس على النحو الآتي:

شكل رقم (9) يبين توزع عينة الدراسة حسب أنماط التدين

 

 

أظهرت نتائج المقياس سيادة نمط التدين المتوسط لدى السوريين في عينة الدراسة الكلية 48.7%، وكان أدنى درجة هي لغير المتدين بنسبة 2.8%.

وبالعلاقة بين أنماط التدين ومتغير الجنس، فقد أظهرت النتائج الميدانية سيادة نمط التدين بشكل متوسط لدى الجنسين بالنسبة العليا، مع ارتفاع طفيف في نسبة “غير متدين” لدى الذكور أكثر من الإناث. كما هو موضح في الشكل أدناه.

شكل رقم (10) يبين علاقة أنماط التدين بمتغير الجنس

 

أما بالعلاقة بين نمط التدين ومتغير الشريحة العمرية، فقد أظهرت النتائج الميدانية سيادة نمط التدين المتوسط لدى الشرائح العمرية كافة. وتفردت الشريحة العمرية 18-27 بنسبة مرتفعة من نمط التدين بشكل قليل 32.5% كأكبر نسبة ضمن الشرائح العمرية في هذا النمط من التدين. أما نمط التدين الملتزم فقد كانت نسبته العليا لدى الشريحة العمرية 58 فأكثر. أما أكثر نسبة من نمط غير المتدين فقد كانت للشريحة العمرية 18-27 و58 فأكثر بنسبة 3.5 و3.6 على التوالي. كما هو موضح في الجدول رقم 1 والشكل 11.

جدول رقم (1) يوضح أنماط التدين بالعلاقة مع متغير الشريحة العمرية

نمط التدين 18-27 28-37 38-47 48-57 58+
غير متدين 3.5% 2.2% 2.9% 2.5% 3.6%
متدين بشكل قليل 32.5% 28.7% 25.8% 18.6% 17.3%
متدين بشكل متوسط 49.3% 51.7% 48.9% 46.6% 41.4%
متدين ملتزم 14.7% 17.4% 22.4% 32.3% 37.7%
مج 100 100 100 100 100

 

شكل رقم (11) يبين علاقة أنماط التدين بمتغير الفئة العمرية

 

وبالعلاقة بين أنماط التدين ومتغير الدين والطائفة الدينية، فقد أظهرت نتائج المقياس أنماط التدين الخاصة بكل دين أو طائفة. كما هو موضح في الشكل الآتي.

شكل رقم (12) يبين علاقة أنماط التدين بالطائفة الدينية

وبتفصيل تلك الأنماط، فقد كانت نسب نمط التدين الملتزم منخفضة “بشكل عام” لدى جميع المكونات الدينية والطائفية، باستثناء المكوّن “الاسماعيلي” الذي كانت نسبة هذا النمط منخفضة جدا 5.3%.

والواقع، رغم أن هذه النسب تعد منخفضة على المستوى الإحصائي، إلا أنها ترشدنا “على المستوى الديني والاجتماعي” إلى ارتفاع واضح، لاسيما بالعلاقة مع الشعائر والطقوس الدينية والقيم والتموقع في بعض الأحيان ضمن إطار الدين أو المذهب.

في الأحوال كافة، لا يمكن هنا إطلاق حكم قيمة “بالسلب أو الإيجاب” على ارتفاع نمط للتدين على حسب آخر، خصوصا إذا لم يكن مرتبط بإيديولوجيا أو منهجية سياسية بالعلاقة مع “أدب الحياة اليومية” والمواقف المدنية والسياسية. بمعنى أننا يمكن أن نرى إمكانية للفصل بين الديني “كقيم وتعاليم وجوانب روحية ونفسية” وبين الحياتي “الناسوتي”، وهو ما يميز عموما التدين السوري تاريخيا.

شكل رقم (13) يبين علاقة نمط التدين الملتزم بالدين والطائفة

بالمقابل، فإن نمط التدين السائد لدى جميع المكوّنات الدينية هو المستوى المتوسط من التدين، الذي كان مرتفعا لدى المكوّن السنّي؛ الذي عرف على المستوى الاجتماعي “على الأقل في تاريخ سوريا الحديث” بمرونته وفصله بين الديني والاقتصادي، بما يمكن أن نُدرج توصيفا لـ “صادق جلال العظم” عندما نظّر لما أسماه “إسلام البزنس”. لكن بالطبع، ليس في علاقته بالسياسة، وهي الإشكالية الكبيرة التي عانى منها التدين السوري “لاسيما في نسختيه الدمشقية، والحلبية بدرجة أقل” في الموائمة بين قوة الدين والسلطة السياسية. وقد وضح هذا الإشكال بشكل خاص في مرحلة تغول نظام العائلة في حكم سوريا خلال فترة حكم “حافظ الأسد” بشكل خاص.

شكل رقم (14) يبين علاقة نمط التدين المتوسط بالدين والطائفة الدينية

وعادت النسب “حسب المقياس” إلى الانخفاض في نمط التدين القليل، مع بقاء النسبة العليا للمكوّن الاسماعيلي، ثم العلوي واليزيدي.

شكل رقم (15) يبين علاقة نمط التدين القليل بالدين والطائفة الدينية

وبقي المكوّن الاسماعيلي أيضا هنا كأعلى نسبة بين المكونات المذهبية في نمط “غير المتدين”، ترافقا مع المذهب الدرزي تاليا. أما بقية المكونات الدينية والمذهبية فقد كانت النسب فيها منخفضة باستثناء المكوّن المرشدي الذي كانت نسبة هذا النمط فيه هي 0%.

تتداخل عدة عوامل في تمثّل نمط للتدين عند السوريين، لاسيما وأننا نتحدث عن مضي أكثر من عقد على قيام الحراك الثوري السوري ودخول سوريا في نزاع مسلح داخلي. وربما تعود خصوصية المكوّن الاسماعيلي في تمثّل الدين بشكل قليل في الحياة اليومية “عينة الدراسة” إلى غياب الاحتكاك الواضح أو “الصراع” بينهم وبين المكوّنات الدينية والمذهبية الأخرى في قضايا دينية إشكالية حُمّلت عليها تفاصيل الحاضر، كما هو الحال عند المكوّنين الشيعي والعلوي على سبيل المثال. ورغم وجود بعض حوادث الصراع المذهبي/ الطبقي في تاريخ سوريا الحديث بين المكوّن الاسماعيلي والعلوي بشكل خاص، إلا أن المسافة المتساوية التي يتخذها المذهب الاسماعيلي من جميع الطوائف الأخرى؛ جعل العلاقة بين أفراد هذا المذهب والسوريين “الآخرين” علاقة مرنة، مضافا إليه مع ما عُرف عن المدينة الحاضنة لهم “السلميّة” بنشاطها السياسي لاسيما في التيار اليساري ووجود الكثير من المعارضين للنظام السياسي على مستوى المناخ السائد في المنطقة.

يضاف إلى ذلك، توجيهات المرشد الأعلى للطائفة (المولى/ الإمام) بالحث على التعايش والاندماج مع المكوّنات الأخرى، مع متغير هام وهو عدم وجود مشاريع سياسية اسماعيلية مبنية على أساس ديني “ضمنا أو تصريحا”.

شكل رقم (16) يبين نمط غير المتدين بالدين والطائفة الدينية

أما بالعلاقة مع متغير المستوى التعليمي، فقد كان النمط السائد لدى المستويات التعليمية كافة هو نمط التدين المتوسط، أما نمط التدين الملتزم فقد كانت نسبته العليا لدى المستوى التعليمي (تاسع وما دون) مع وجود نسب مرتفعة أيضا لدى المستويات التعليمية الأخرى لاسيما المستوى الجامعي وما فوق الجامعي. وكان المنستوى فوق الجامعي هو الأعلى في نمط التدين بشكل قليل. أما سبة نمط غير المتدين فكانت الأعلى لدى المستويين الجامعي وفوق الجامعي، كما هو موضح في الشكل أدناه.

جدول رقم (2) يوضح أنماط التدين بالعلاقة مع متغير المستوى التعليمي

نمط التدين تاسع وما دون ثانوي معاهد متوسطة جامعي فوق جامعي
غير متدين 1.1% 2.9% 2.9% 4.4% 3.7%
متدين بشكل قليل 18.1% 28.7% 26.7% 28.7% 37.6%
متدين بشكل متوسط 48.2% 49.5% 51.9% 47.4% 39.4%
متدين ملتزم 32.6% 18.9% 18.5% 19.5% 19.3%
100 100 100 100 100

 

 

شكل رقم (17) يبين علاقة أنماط التدين بالمستوى التعليمي

 

في ملاحظة عامة، يبدو أن متغير المستوى التعليمي لم يكن له الدور الحاسم في مسألة ارتباط أنماط التدين بضعف أو ارتفاع المستوى التعليمي. والحقيقة أن مجرد الربط بين المتغيرين عن طريق علاقة تناسب طردي هي أفكار مسبقة حول دفع الدين إلى جهة نقيضة للعلم “بشكل قسري”، وهو حديث يجانب الصواب بشكل عام.

 

الكثير من ذوي التعليم العالي يستطيعون الفصل مثلا بين معارفهم ومهنهم وبين حياتهم الدينية والوجدانية، ولا يعني وجود أنماط تدين متوسطة أو ملتزمة لديهم مؤشرا سلبيا “هذا في حال اعتبار البعض موضوع التدين مؤشرا سلبيا”، فالحديث عن “نعوت” تخص التدين والتعليم “كنسقين متنافرين” هي ذات جذر إيديولوجي سياسي، تعززه دعوات القطيعة المعرفية بين الدين ونمط الحياة اليومي.

 

أما بالعلاقة بين متغير أنماط التدين ومكان الإقامة الحالي لعينة الدراسة، فقد أظهرت نتائج المقياس النتائج أدناه:

جدول رقم (3) يوضح أنماط التدين بالعلاقة مع متغير مكان الإقامة الحالي

نمط التدين الحكومة السورية(دمشق) الحكومة المؤقتة إدلب وريفها شمال شرق سوريا دول الجوار العربي تركيا أوربا
غير متدين 2.8% 0.3% 4.2% 12.0%
متدين بشكل قليل 36.3% 19.8% 8.6% 19.6% 16.0% 26.9% 44.6%
متدين بشكل متوسط 42.3% 53.9% 64.7% 49.4% 52.5% 47.7% 35.7%
متدين ملتزم 18.6% 26.3% 26.7% 31.0% 31.1% 21.1% 7.7%
مج 100 100 100 100 100 100 100

 

شكل رقم (18) يبين علاقة أنماط التدين بمكان الإقامة الحالي

ساد مستوى نمط التدين بشكل متوسط في مناطق الدراسة باستثناء دول أوربا أولا ومناطق سيطرة الحكومة السورية (دمشق) وتركيا بدرجة ثانية. وكذلك كانت نسبة نمط غير متدين هي الأعلى في أوربا بين مناطق الدراسة، وقد يعود الأمر إلى مساحات الحرية الشخصية في اتخاذ نمط التدين الخاص بكل فرد دون ضغوط اجتماعية أو نسق ثقافي عام يُجبر معه بعض الأفراد إلى الإتيان بسلوكيات دينية مراعاة للطقس العام المحيط.

وربما يعزز هذا التصور، هو وجود هذا النمط وإن بنسبة قليلة في تركيا ومناطق الحكومة السورية (دمشق) وبشكل ضئيل في دول الجوار العربي من ناحية، وغيابه تماما في مناطق سيطرة الحكومة المؤقتة وإدلب وريفها وشمال شرق سوريا. وهي مناطق عموما تحكمها أنماط اجتماعية تقليدية يلعب التدين فيها دور المحرك الرئيس في آليات التكافل الاجتماعي من ناحية أو عن طريق فرض الشعائر الدينية وبالتالي تمثل الأفراد لها بشكل متواتر.

وعطفا على ذلك، فقد كانت النسب العليا في نمط التدين الملتزم أيضا في مناطق الحكومة المؤقتة وإدلب وشمال شرق سوريا ودول الجوار العربي (لبنان، الأردن، إقليم كردستان العراق).

مع ذلك، لا يمكن الاتكاء دائما على الأرقام واتخاذها كثوابت. فعلى سبيل المثال، توجد نسبة جيدة من نمط التدين الملتزم في أوربا 7.7%، ومناطق الحكومة السورية (دمشق) 18.6%.

ترشدنا الأرقام والنسب إلى المناخ العام السائد في علاقة السوريين الدينية بنمط حياتهم اليومي. لكن، في المقابل، وفي موضوع شائك يلعب فيه الجانب الوجداني دوره في قناعات الأفراد، ترافقا مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والعلاقة مع المجتمعات الحاضنة؛ لا يمكن الاعتماد على الرقم الأعلى فقط والسير في التحليل خلفه، وإنما يجب الاستئناس به وبالفروق الفردية والعوامل الخاصة لظهور أنماط تدين متفاوتة في تجمعات السوريين في رقعة جغرافية متشابهة.

وبالعلاقة بين أنماط التدين والمستوى المهني، فقد بينت نتائج المقياس أيضا سيادة نمط التدين بشكل متوسط عند الطلاب ومن يعملون ومن لا يعملون. وارتفعت نسبة نمط التدين بشكل قليل لدى الطلاب33.1% كأعلى نسبة لهذا النمط، مقابل ارتفاع نسبة نمط التدين الملتزم لدى من لا يعملون 28.2%. أما نمط غير المتدين فقد كانت النسبة الأعلى لدى من يعملون وبفوارق قليلة عن الطلاب والذين لا يعملون. والشكل أدناه يوضح ذلك.

شكل رقم (19) يبين علاقة أنماط التدين بالحالة المهنية

 

 

ثالثا- أنماط الشخصية السورية .. درجات انفتاح إيجابية

تم تصميم مقياس من خمس عبارات (قيم) (انظر ملحق استبيان الدراسة) تتعلق بأنماط العلاقة مع الآخر (دينيا وطائفيا) على مستوى العلاقات الاجتماعية والتعليمية وعلاقات الجيرة والعمل (توازيا مع الخلفية الدينية والمذهبية في قرار العلاقات المذكورة). وتم استخراج أنماط الشخصية السورية “عينة الدراسة” بناء على عملية التوزين “التثقيل” إحصائيا.

 

القيم أو العبارات ذات الشأن في العلاقة مع الآخر المختلف دينيا أو طائفيا، تعّبر هنا عن درجات من القبول والانفتاح في الدخول في علاقات بينية معه من قبل المستجيب، على مستوى حياته الخاصة.

 

وكان قد تم تقسيم أنماط الشخصية بالعلاقة مع الآخر إلى خمسة أنماط هي: منفتح بشدة، منفتح، منفتح نوعا ما، منغلق، منغلق بشدة.

 

من خلال عملية “تثقيل” إحصائية، قمنا بإعطاء درجات رقمية لكل درجة من درجات الموافقة على العلاقات مع الآخر المختلف دينيا أو طائفيا بالنسبة للمستجيب. وتم استخراج خمسة أنماط للشخصية كما هي مذكورة في النص.

اعتمد المقياس على قيم درجات الانفتاح والانغلاق، وقد أطلقنا عليه “نمط الشخصية السورية” وذلك اختزالا لقيم المقياس التي نعني بها: نمط الانفتاح ودرجاته لدى السوريين في علاقتهم مع الآخر في قضايا اجتماعية وتعليمية وعملية.

ويجب التنويه إلى أن أنماط الشخصية تشير هنا إلى “درجة” قبول الدخول في علاقات بينية مع الآخر المختلف دينيا أو طائفيا، دون أن يعني ذلك وجود سمة عامة للشخصية بأنها منفتحة أو منغلقة إلا في حدود العلاقة مع هذا المتغير فقط.

 

وقد كانت نتائج المقياس على النحو الآتي:

شكل رقم (20) يبين أنماط الشخصية لدى عينة الدراسة

 

كان نمط الشخصية السورية السائد[8] “عينة الدراسة” منفتحا على العلاقة مع الآخر في المسائل الاجتماعية والاقتصادية وتفاصيل الحياة اليومية الأخرى، (منفتح بشدة ومنفتح نوعا ومنفتح 75.2%). وهو ما يشير إلى عدم اعتبار دين أو مذهب “الآخر” متغيرا أساسيا في تقرير نمط العلاقة معه، لاسيما وأن المقياس اعتمد على تفضيلات المستجيبين اعتمادا على متغير “الدين” في العلاقات الحياتية المذكورة أعلاه.

وبعد أكثر من عقد من الزمان في وجود “المعضلة السورية”، فإن هذه النتائج في “الشخصية” تعد مؤشرا إيجابيا يمكن التعويل عليه في بناء سوريا المستقبل، وتحقيق آليات العدالة ورأب شرخ تشتت الجسد الاجتماعي السوري بفعل سلسلة من سياسيات “الإقصاء والاستبعاد” المتبادل بين جميع المكوّنات بفعل النظام السياسي بالدرجة الأولى.

جدول رقم (4) يوضح علاقة أنماط التدين بأنماط الشخصية

نمط الشخصية نمط التدين
غير متدين قليل متوسط ملتزم
منغلق 7.5% 57.2% 35.3% 100
منغلق بشدة 3.5% 39.0% 57.4% 100
منفتح 3.4% 33.4% 48.8% 14.4% 100
منفتح بشدة 11.3% 49.6% 31.9% 7.2% 100
منفتح نوعا ما 0.1% 21.3% 53.2% 25.4% 100

 

يجب التنويه هنا إلى أن نمط الشخصية لا يرتبط بالبعد الديني، أو لا يرتبط به كمتغير رئيس، وإنما تدخل فيه عوامل وتجارب اجتماعية وشخصية وذاكرة محلية وتصورات جمعية. لذلك سوف نرى لاحقا اختلافات في المواقف بين أنماط التدين وأنماط الشخصية تجاه قضايا الحياة المدنية والسياسية.

 

وبالعلاقة بين نمط الشخصية ونمط التدين، فقد تبيّن توازي درجات الانفتاح والانغلاق مع الآخر مع نمط التدين كما ظهر عند السوريين “عينة الدراسة” بشكل عام، وهو ما يشير إلى تمركز قيم أنماط التدين والشخصية السورية عند حدود “الوسطية” في العلاقة مع مقدرات الحياة اليومية بتفاصيلها المختلفة، مع التنويه إلى أننا استبعدنا من هنا المتغير السياسي لأسباب تقنية “إذ سيتم تفصيله بالعلاقة مع نمط التدين والشخصية في البنود اللاحقة”.

لذلك، فإن الحديث هنا يتعلق بخارطة العلاقة مع الآخر اجتماعيا واقتصاديا خارج إطار الموقف السياسي أو الإيديولوجيا السياسية بمفهومها الواسع.

وبالعلاقة بين نمط الشخصية ومتغير الدين والطائفة الدينية، فقد كان الانفتاح “بدرجاته الثلاث” هو النمط السائد لدى عينة الدراسة، مع ملاحظة وجود نمط الانغلاق لدى كل من المكوّنات (الشيعية/ المرشدية/ اليزيدية)؛ وربما يعود الانغلاق لدى المكونين الشيعي والمرشدي هو في طبيعة المذهب وفي الحجم النسبي القليل في لوحة الطوائف في سوريا، أما المكون اليزيدي فيمكن تفهم ردة فعله وانغلاقه بسبب الأحداث التي تعرض لها في مرحلة سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على المناطق التي يعيشون فيها، وهو ما سبب مزاجا حادا لديهم في العلاقة مع المكوّنات الأخرى.

شكل رقم (21) يبين علاقة أنماط الشخصية بالدين والطائفة الدينية

 

وكان لمتغير المستوى التعليمي علاقة ذات دلالة هنا، إذ كلما كان مستوى التعليم مرتفعا ازدادت درجة الانفتاح بالعلاقة مع الآخر، والعكس أيضا. وهو ما ينطبق أيضا على الحالة المهنية، إذ تتدرج درجات الانفتاح مع عمل الأفراد أو دراستهم “طلاب”، ما يفرض الانخراط في علاقات مع نماذج “مغايرة” دينيا وإثنيا وإيديولوجيا. وكان للذكور في العينة تقدما أوضح منه عند الإناث في الانفتاح، إذ كانت إناث العينة أكثر انغلاقا من ذكورها، ويعود هذا الأمر غالبا إلى بنية الشخصية السورية “والعربية عموما” التي يكون للأنثى فيها مبادرات أقل من الذكور في العلاقات المتنوعة ضمن تركيبة تربوية تعطي للذكور أفضلية التجربة على الإناث.

ولعب متغير مكان الإقامة الحالي دوره في حدود الانفتاح والانغلاق في العلاقة مع الآخر، فقد كانت عينة الدراسة المقيمة في أوربا هي الأكثر انفتاحا والأقل انغلاقا. ومناطق إدلب وسيطرة الحكومة السورية المؤقتة هي الأعلى في درجة الانغلاق. وقد يعود السبب “في الغالب” إلى تجربة السوريين في مجتمعات تتسم بالتعدد والاختلاف في أوربا، مقابل سيطرة مكوّنات دينية ومذهبية متجانسة في مناطق إدلب والحكومة المؤقتة، مضافا إليها ثبات مستوى “الحساسية والتوجس” في مسألة الصراع مع النظام السوري الطائفي. مع التنويه إلى غياب مساحات الحرية في التحرك من وإلى تلك المناطق ما سبب انغلاقا جغرافيا أثر بالضرورة على فضاء العلاقات مع الآخر. وقد تكون مساحات الحرية بالتعبير والخوف من قبل المستجيبين في التصريح عن تصوراتهم الحقيقية له دوره هنا أيضا. أضف إلى ذلك سيطرة حكومة راديكالية في إدلب وسيطرة إيديولوجيا ذات بعد واحد في مناطق الحكومة السورية المؤقتة. وكل ما ذكر يترافق مع سيطرة نمط العلاقات الأولية في تلك المناطق حتى في مرحلة ما قبل 2011.

 

شكل رقم (22) يبين علاقة أنماط الشخصية بمكان الإقامة

 

رابعا- خلل وإرباك في فهم خصوصية النسق الاجتماعي

أيّدت عينة الدراسة الخيارات المختلفة لوجود مرجعيات دينية ومدنية للتشريعات التي تخص الأحوال الشخصية والحياة الاجتماعية في سوريا. وتدل الاختلافات في تصورات العينة لوجود التشريعات الحاكمة للحياة الاجتماعية أو تلك التي تختص ببعض الأديان والمذاهب؛ إلى انحيازات لأنماط مدنية أو مرجعيات دينية أو أخرى مختلطة بين الديني والمدني، استنادا إلى مخرجات الواقع التشريعي في تجربة النظام السياسي في نسقها القانوني، أو تأثرًا بنمط التدين الخاص أو المجتمعات الحاضنة وتجربة السوريين فيها. ويمكن لنا أيضا أن نتلمس هنا تفهما متقدما لدى عينة الدراسة في إفساح المساحات أمام وجود اختيارات جديدة في التشريعات قابلة للتنفيذ، لاسيما وإن كانت تراعي خصوصيات بعض المكوّنات السورية الأخرى.

جدول رقم (5) موقف عينة الدراسة من التشريع الديني والمدني

العبارة بقاء الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع في سورية وجود تشريع مدني/ وضعي للحياة الاجتماعية موحد لجميع السوريين وجود تشريع مختلط (ديني ومدني) للحياة الاجتماعية وجود تشريعات اجتماعية خاصة بأصحاب المذاهب والأديان الأخرى
غير مهتم 4.0 3.5 2.2 5.3
غير موافق/ة 29.7 31.5 28.8 18.2
لا أعرف 1.7 3.7 3.5 2.4
موافق/ة 49.7 44.9 41.5 53.6
موافق/ة إلى حد ما 15.0 16.4 24.0 20.5
مج 100.0 100.0 100.0 100.0

 

شكل رقم (23) يبين موقف عينة الدراسة من التشريع الديني والمدني

وبالعلاقة مع “نمط التدين”، فقد كانت هناك ملاحظة عامة وعلى درجة الأهمية في هذا الإطار. إذ بدت الأنماط البعيدة عن التدين وبشكل خاص نمط “غير المتدين” والمتدين بشكل قليل، في علاقة مربكة تقارب القطيعة شبه الكليّة “عموما” في تفهّم الأنساق الاجتماعية والقانونية وعلاقتها بالمتغير الديني كنسق عابر لبنية المجتمع السوري، و”كذا الأمر” علاقة المرجعيات الدينية للأديان والطوائف والمؤسسات بالدولة. وقد ظهر ذلك من خلال العديد من اتجاهات ومواقف “نمط غير المتدين” بشكل خاص من كل ما يتعلق بوجود بعد ديني في أي منحى من مناحي الحياة الاجتماعية أو السياسية.

ويعود سبب ذلك “في الغالب” إلى رؤية أصحاب النمط”غير المتدين” بضرورة استبعاد التفسيرات الدينية للحياة الاجتماعية والسياسية، والاعتماد على رؤية “وضعية” لمسوغات العقد الاجتماعي والحياة السياسية خصوصا.

وبالعودة إلى نتائج الدراسة في موضوع علاقة “التشريع المدني والديني” بأنماط التدين، نجد تجليات تلك الرؤية لدى نمط غير المتدين واضحة هنا. ففي موضوع “بقاء الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع في سوريا”، وافق النمط الملتزم والمتوسط على ذلك بنسب (74.4%، 58) على التوالي، ورفض ذلك “نمط التدين القليل وغير المتدين” (54.4، 91.4).

شكل رقم (24) يبين موقف أنماط التدين من بقاء الفقه الإسلامي مصدرا للتشريع

أما في موضوعي “وجود تشريع مدني/ وضعي للحياة الاجتماعية موحد لجميع السوريين”، فقد ارتفعت النسبة لدى نمط غير المتدين بشكل واضح، خلاف موقف نمط التدين الملتزم. فقد كانت نسبة عدم الموافقة 45%.

شكل رقم (25) يبين موقف أنماط التدين من التشريع المدني

أما خيار “وجود تشريع مختلط (ديني ومدني) للحياة الاجتماعية”. فقد أيّده نمط التدين الملتزم بنسبة 44.5% “كأعلى نسبة”، مقابل رفضه من قبل نمط غير المتدين بنسبة عالية جدا 80.2%، وذلك بسبب وجود مرجعيات دينية هنا، وهو ما يتوافق عموما مع رؤية هذا النمط لشكل الحياة التشريعية في سوريا المستقبل.

شكل رقم (26) يبين موقف أنماط التدين من التشريع المختلط

يتضح هذا الإرباك أكثر مع العبارة الثالثة “وجود تشريعات اجتماعية خاصة بأصحاب المذاهب والأديان الأخرى”، التي وجدت موافقة من قبل أنماط التدين المختلفة كأحقية موضوعية للأديان والمذاهب الأخرى، فقد كانت نسبة موافقة نمط التدين الملتزم 51.8%، مقابل رفضها من قبل نمط غير المتدين 59.3%.

 

شكل رقم (27) يبين موقف أنماط التدين من تشريعات أصحاب المذاهب والأديان الأخرى

ويجب التنويه هنا إلى وجود نسب من الأنماط المختلفة أجابت بعد اهتمامها بالموضوع أو بعدم تحديد موقفها من هذه القضايا.

أما بالعلاقة مع “نمط الشخصية” فقد توافقت النتائج كما العلاقة بين التشريعات وأنماط التدين، لكن النمط المنفتح والمنفتح جدا هنا هو الذي وازى نمط غير المتدين في الحالة الأولى.

 

شكل رقم (28) يبين العلاقة بين أنماط الشخصية والفقه الإسلامي كمصدر للتشريع

ويبدو أن الخلل في المفاهيم قد سرى أيضا هنا، فالانفتاح يعني ببعده الاجتماعي، التقدم خطوة ثم خطوات باتجاه فهم الآخر وبالتالي تقدير ثقافته والمعتقدات التي يقوم عليها نسقه المعرفي والحياتي، وليس مجرد رفض كل الأنماط الأخرى وإلقاء النعوت القيمية التي تحمل استبعادا واضحا في مجتمع متنوع ومتعدد كالمجتمع السوري.

 

شكل رقم (29) يبين العلاقة بين أنماط الشخصية والتشريع المدني

هنا نلاحظ أيضا انخفاض نسبة الموافقة لدى نمط الشخصية المنفتح للتشريع المختلط، حتى يبدو وكأن جميع أنماط الشخصية قد تساوت هنا في مواقفها. فإذا كان هناك تفهم للنمط المنغلق والمنغلق بشدة بالتحفظ نحو هذا الخيار، فإن مساحة تفهم النسق الاجتماعي/ الديني/ التشريعي يفترض أن يلاقي قبولا متزايدا لدى أنماط الشخصية المنفتحة، وهو ما يعيدنا هنا “مع انخفاض نسب الموافقة” إلى تحليلنا السابق حول مفاهيم الانفتاح والعلاقة مع مكونات المجتمع.

 

شكل رقم (30) يبين العلاقة بين أنماط الشخصية والتشريع المختلط

وتتجلى هذه الرؤية الضبابية بشكل واضح في العلاقة مع “وجود تشريعات خاصة بأصحاب المذاهب والأديان الأخرى”، والتي بدا النمط المنغلق والمنغلق بشدة أكثر استيعابا لبنية وتركيب المجتمع السوري، وأكثر قدرة على تقدير الخصوصية الدينية لكل مكوّن.

 

 

شكل رقم (31) يبين العلاقة بين أنماط الشخصية والتشريعات الخاصة بأصحاب المذاهب والأديان الأخرى

 

 

 

خامسا- اتجاهات إيجابية نحو سلوك ديمقراطي في سوريا المستقبل

جدول رقم (6) موقف عينة الدراسة من الدين والمؤسسات الدينية والعلاقة مع الدولة

العبارة أتباع جميع الأديان والطوائف متساوون تحت سقف القانون استقلال المؤسسات الدينية وعدم رقابة الدولة عليها رجال الدين مكوّن أساسي في مؤسسات الدولة توزيع مناصب الدولة حسب حجم كل دين وطائفة
غيرمهتم 0.3 3.0 4.9 3.5
غيرموافق/ة 1.7 47.1 38.0 58.1
لاأعرف 04 4.3 3.1 3.0
موافق/ة 91.2 29.7 36.0 22.4
موافق/ة إلى حد ما 6.4 15.9 17.9 12.9
مج 100.0 100.0 100.0 100.0

 

شكل رقم (32) يبين موقف عينة الدراسة من الدين والمؤسسات الدينية والعلاقة مع الدولة

تؤشر النتائج أعلاه في العلاقة التنظيمية بين المؤسسات الدينية وبنية الدولة (القانون، السياسة، المأسسة)، إلى رفض موضوع المحاصصة الدينية أو الطائفية في الممارسة السياسية من قبل غالبية العينة، وكذلك ضرورة استقلال المؤسسات الدينية عن الدولة، وإعطاءها بالتالي مساحة عملها الخاصة دون التدخل في الشؤون السياسية، ودون التدخل في عمليات الرقابة عليها في حال كانت مؤسسات مستقلة عن الدولة “وهو الذي لم يلقَ التأييد من غالبية العينة”. وكانت نسبة وجود قانون يتساوى تحت سقفه الجميع هي الأعلى في الموافقة والتأييد، وهو ما يعكس الرغبة في وجود عدالة قانونية؛ غابت خلال عقود حكم البعث والعائلة الحاكمة في سوريا لصالح طائفة دينية بعينها.

وبالعلاقة بين نمط التدين وهذه المتغيرات، فقد أيدت جميع أنماط التدين وأنماط الشخصية أن يكون “أتباع جميع الأديان والطوائف متساوون تحت سقف القانون”. وهو ما يعد اتجاها إيجابيا في “سوريا المنشودة تحكمها القوانين دون تمييز على أي أساس ومنها الدين أو الطائفة.

أما حول “استقلال المؤسسات الدينية وعدم رقابة الدولة عليها”، فقد لاقت رفضا من الأنماط كافة. ولكننا نعتقد هنا أن اتفاق الأنماط جميعها على الرفض يعود لأسباب متباينة، على الأقل بين نمط التدين الملتزم ونمط غير المتدين. ومع ذلك فإن درجة الموافقة وعدم الموافقة لدى نمط التدين الملتزم كادت أن تكون متساوية، وربما يأتي الرفض من قناعة هذا النمط من ضرورة وجود المؤسسات الدينية كواحدة من المؤسسات الفاعلة في بنية الدولة السورية، مقابل اعتقادنا بأن رفض ذلك من قبل نمط غير المتدين قادم من نقطة “عدم رقابة الدولة”، على اعتبار أنها يجب أن تكون محكومة بنشاطات محددة ضمن أطر وصائية تحت سيطرة الدولة، والتي تعني بشكل ما أجهزة المخابرات أو الفروع الأمنية أو أي فرع مختص بالرقابة، الذي ينضوي على جانب “ترهيبي”.

ونعتقد أن هذا الرفض عند هذا النمط هو استكمال لحالة الضبابية في رؤية الواقع السوري ومواقع المؤسسات المختلفة فيه لاسيما الدينية، أو لعدم قناعة هذا النمط بكفاءة المؤسسات الدينية ووصولها لتطلعات مكونات الشعب السوري أو اعتبارها رافدة لأنماط “متشددة” في العلاقة مع الدولة السورية الحديثة.

وهذا الأمر تطابق أيضا هنا مع أنماط الشخصية المتعلقة بالانفتاح أو الانغلاق بالعلاقة مع الآخر. إذ كيف يمكن لنمط منفتح أو منفتح جدا أن ينظر إلى واحدة من المؤسسات الرئيسة، بل والشاغلة دور النسق الوطيفي على مستوى القواعد الاجتماعية؛ نظرة فيها الكثير من الإقصاء والاستبعاد، انطلاقا “على الغالب” من تصورات نمطية حول أدوار عمل تلك المؤسسات دون مراعاة شكل التنظيم القانوني والدستوري القادم في سوريا المنشودة.

وفي ذات السايق، كان من المنطق هو رفض وجود “رجال الدين مكوّن أساسي في مؤسسات الدولة”. من قبل نمطي غير المتدين والتدين القليل، مقابل قبوله لدى الملتزم والمتوسط.  ونرى أن هذا يعود إلى شكل الحكم ونظامه وقناعات الأنماط المختلفة في تمثّله، وهو مساحة للحرية لجميع الأنماط في رغبتها بشكل للحكم يتوافق مع نسق تفكيرها، لا يمكن لأحد المصادرة عليه. وهذه التصورات تطابقت أيضا مع أنماط الشخصية، حسب درجة الانفتاح أو الانغلاق، بما يتوازى مع أنماط التدين.

وأجمعت أنماط التدين وأنماط الشخصية على رفض “توزيع مناصب الدولة حسب حجم كل دين وطائفة”، وهو يحيلنا إلى بنية الشخصية السورية التي لم تعهد منطق “المحاصصة الدينية أو الطائفية” خلال فترات الحكم المتعاقبة على سوريا، وإن كانت بعض مناخات تلك المحاصصة قد تم تنفيذها دون الإعلان عنها منذ فترة حكم “حافظ الأسد” وقت استلامه السلطة ووريثه “بشار الأسد” حتى اللحظة. ويعد ذلك الإجماع مؤشرا متقدما بل وثابتا “على ما يبدو لدى السوريين الذين لم يعهدوا مناحرات طائفية واضحة”؛ في تصورات الأنماط لنظام الحكم في سوريا.

سادسا- خطوات متقدمة في قبول حرية الدين والمعتقد

شكل رقم (33) يبين موقف عينة الدراسة من حرية الدين والمعتقد والشعائر

أيدت عينة الدراسة “الكلية” المساحات الواسعة للحرية الدينية للسوريين، سواء تعلق الأمر بأنماط التدين ودرجاته وحرية ممارسة كل فرد لنمطه الخاص، أو حرية الاعتقاد الديني والتي يدخل في إطارها قرار الفرد بالإيمان أو عدمه، أو حتى تغيير معتقده دون مساءلة من أية جهة، أضف إلى ذلك مساحات الحرية للأديان والطوائف بممارسة طقوسها وشعائرها دون تقييد أو إقصاء.[1] وتعد هذه النتائج على مستوى متقدم من التفكير بمفهوم “الحرية” في اختيار نمط الحياة المناسب لكل فرد وليس فقط ما يتعلق بالجانب الديني، على اعتبار أن المتغير الديني هو الأكثر خلافا ويحمل الكثير من التحيزات اعتمادا على نصوص وتفسيرات وأحكام فقهية.

جدول رقم (7) يبين العلاقة بين الحريات الدينية ومكان الإقامة الحالي

  حرية الاعتقاد الديني حرية تغيير المعتقد حرية الشعائر الدينية للجميع حرية نمط التدين
أوربا 84.7 73.3 94.1 84.2
تركيا 46.2 45.3 68 75.2
مناطق سيطرة قسد 40.3 29.7 75.8 59.4
الحكومة السورية(دمشق) 64 56.4 81.8 81.4
دول الجوار العربي 51.6 29.6 86.8 73.6
الحكومة المؤقتة 29.9 27.2 71.6 61.7
إدلب 18.8 18.5 44 54.8

 

وبالعلاقة بين القيم السابقة ومتغير الدين/ الطائفة الدينية، فقد بيّنت الننائج وجود اختلافات تجاه بعض القيم المطروحة بالعلاقة مع متغير الدين والطائفة الدينية.

شكل رقم (34) يبين العلاقة بين حرية تغيير المعتقد ومتغير الدين والطائفة الدينية

ففي موضوع “حرية تغيير المعتقد الديني دون محاسبة”، كان المكوّنين الشيعي والسني أقل المكوّنات التي وافقت على ذلك، مع ارتفاعها لدى المسحيين والاسماعيليين “كأعلى نسب” من عينة الدراسة.

شكل رقم (35) يبين العلاقة بين حرية الاعتقاد الديني ومتغير الدين والطائفة الدينية

أما “حرية الاعتقاد الديني/ حرية الإيمان والإلحاد”، فقد تفاوتت أيضا نسب الموافقة بين الطوائف”عينة الدراسة”، وكان المكوّنين الشيعي والسّني هنا كذلك هما الأقل موافقة على هذا الموضوع.

شكل رقم (36) يبين العلاقة بين نمط التدين الشخصي ومتغير الدين والطائفة الدينية

واختلف الأمر مع موضوع “نمط التدين ودرجته مسألة شخصية ونمط حياة خاص”، حيث كانت نسب الموافقة مرتفعة لدلا المكوّنات الدينية المختلفة في عينة الدراسة، كما هو موضح في الشكل 36. وهو ما ينطبق بشكل أكبر على موضوع “حق جميع الأديان والطوائف بالقيام بشعائرها بحرية”. شكل 37.

شكل رقم (37) يبين العلاقة بين حرية الطقوس الدينة ومتغير الدين والطائفة الدينية

وبالعلاقة بين هذه القيم ومكان الإقامة الحالي، فقد بيّنت النتائج تأثير ثقافة المجتمع الحاضن على التقدم خطوات باتجاه قبول المساحات الواسعة لاختيارات الأفراد في علاقتهم بالجانب الديني، هذا إضافة إلى احتمال تخوفات المستجيبين في المناطق ذات السلطات الراديكالية “إدلب” من غبداء آرئاهم بحرية. وعليه، فقد كانت العينة التي تعيش في أوربا هي الأعلى نسبة في قضايا حرية الدين والمعتقد والشعائر ونمط التدين، كما هو موضح في الجدول رقم 7.

والحقيقة أن قيم ومعايير التنظيم الاجتماعي، لها الكثير من التأثير في اتجاهات الأفراد نحو القضايا كافة، لاسيما الحساسة منها، والتي تتطلب هوامش كبيرة في قبول قرارات الأفراد لتمثلهم أنماطا حياتية تناسب تصوراتهم، كما هو الحال هنا. ولذلك نستطيع ملاحظة الاختلاف في نسب الموافقة على القيم المختلفة التي تخص الجانب الديني، بين مكان وآخر، ويدل ذلك الاختلاف إلى دور “منظومة المعايير والقواعد” التي يتمثلها الأفراد في كل تنظيم اجتماعي على حدة.

وبالعلاقة بين أنماط التدين وحرية الدين والمعتقد والشعائر، نجد أن هناك مؤشرات إيجابية في هذا الإطار. ففي موضوع حرية الاعتقاد الديني (حرية الإيمان والإلحاد)، كان هناك موافقة من أنماط التدين الثليل والمتوسط وغير المتدين، مقابل رفض 42.3% من نمط التدين الملتزم لهذا المتغير. ولكن يجب أن نلاحظ أن هناك ما نسبته 28.7% من ذات النمط قد أيدت هذا الخيار، وهو يعد بتصورنا مرحلة متقدمة في المرونة تجاه احترام المساحة الخاصة للحرية الدينية حتى عند أكثر الأنماط التزاما بتعاليم الدين، وكل ما تحمله من اجتهادات حياتية –دينينة- فقهية. وذلك بعكس أنماط الشخصية التي وضح فيها التأييد من عدمه تجاه هذه القيمة، إذ تدرجت درجات الموافقة في النسب حسب درجة الانفتاح، وعدم الموافقة بالنسب أيضا حسب درجة الانغلاق.

وفي قيمة “حرية تغيير المعتقد الديني دون محاسبة”، وهي من القضايا الشائكة بل و”المحرمة” في الدين الإسلامي، بسبب ارتباط الإسلام “كخاتم للأديان” في فلسفته الدينية بسيادته على الأديان الأخرى، وبالتالي تجليه كالشكل المثالي لدين الرسالات السماوية.

ومع ذلك فقد كانت هناك تأييدا، وإن بدرجات متفاوتة لهذه القيمة من قبل نمط التدين القليل والمتوسط، وبالضرورة نمط غير المتدين. أما نمط التدين الملتزم فقد كان الموقف هو الرفض بنسبة أيضا لا تعد كبيرة جدا 48.2%، مقابل موافقة بنسبة 19.1%. والتركيز هنا على نمط التدين الملتزم “رغم أن أنماط التدين الأخرى لا تفترض المرونة تجاه بعض الثوابت الدينية والفقهية”، إنما ندلل به “في هذه الدراسة” على تداخل الديني والسياسي لدى أنماط التدين المختلفة، وكذلك خصوصية التجربة السورية من جهة، وخصوصية التدين السوري حتى في أكثر أشكاله التزاما بالتعاليم والشعائر والطقوس. وهو الذي أرسى مناخا من المرونة تجاه قضايا تعد من “التابوات” في السجال الديني.

وتجلى في هذه القيمة أيضا الاختلاف مع “أنماط الشخصية” التي تدرجت فيها درجات الموافقة في النسب حسب درجات الانفتاح والانغلاق. وهو ما يؤكد ما ذكرناه سابقا في الحديث عن المقياس، من أن نمط الشخصية يتفارق عن نمط التدين، بسبب اعتماد كل منهما على متغيرات مختلفة، لم يكن للمفاعيل الدينية هنا دورها الرئيس في تحديد نمط الشخصية ومواقفها المتباينة بل والمتفارقة في غالب الأحيان عن مواقف أنماط التدين.

وتبدو المرونة أيضا، واتجاه تقدير الأديان والطوائف، في قيمة “حق جميع الأديان والطوائف القيام بجميع شعائرها بحرية”. إذ أجمعت جميع الأنماط وبنسب عليا على الموافقة على هذه القيمة، وهو عموما ما كان سائدا في سوريا حتى مرحلة ما قبل 2011. وتوافق ذلك أيضا، ولكن بنسب أقل من أنماط التدين بشكل واضح، في العلاقة مع أنماط الشخصية ودرجاتها.

أما بالنسبة لقيمة “نمط التدين ودرجاته مسألة شخصية ونمط حياة خاص”، فقد لاقت تأييدا عاليا ايضا من أنماط التدين الثلاثة، مقابل تأييدها بنسبة أقل لدى نمط غير المتدين. وهذا يعيجدنا إلى تحليلنا السابق حول آليات مواقف واتجاهات هذا النمط. إذ تبدو نسبة التأييد المنخفضة “قياسا إلى أنماط ا لتدين الأخرى” وكأنها رفض مسبق لوجود أنماط من التدين، وهو ما يدفعنا إلى الاعتقاد “دون الجزم” بوجود إيديولوجيا لا دينية لدى هذا النمط تتموضع في شكل “عقيدة أو دين” من ناحية ثوابت النظر إلى الجانب الديني ورفضه كمقدمة لـ “المدنية” في الحياة العامة. وهو ما يتفارق عن العلاقة بين هذه القيمة وبين أنماط الشخصية؛ التي تدرجت درجات الموافقة بنسب عليا تتاليا في تأييد هذه القيمة. (انظر ملحق الجداول).

 

سابعا- مساحات جديدة للمرأة في ذهنية السوريين

بيّنت النتائج اتجاها إيجابيا متقدما نحو قضايا مواقع وأدوار المرأة في الحياة العامة السورية، على مستويات عدة. في مستوى المساواة تحت سقف القانون دون تمييز جندري، ووجودها في مناصب سياسية قيادية، وحتى في هيئات دينية رسمية. وهو ما يتوافق عموما مع المناخ السوري في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، قبل دخول البلاد في متاهة الديكتاتورية ومساهمة النظام السياسي في انكفاء المجتمعات المحلية وبروز أشكال من التنظيمات الاجتماعية الضيقة ونمط الأدوار التقليدية للأفراد فيها.

 

شكل رقم (38) يبين موقف عينة الدراسة من أدوار المرأة

وتبدأ الاختلافات في درجات الموقف من قضايا المرأة تختلف بالعلاقة مع بعض المتغيرات.  فبالعلاقة مع متغير الجنس، كان هناك تأييدا أكبر بكثير من قبل إناث العينة، نسبة للذكور، لمواقع وأدوار المرأة في الحياة العامة، وهو عموما ما يتوافق مع مطالبها في المساواة في الفرص والأدوار الاجتماعية في المجتمع، بخلاف الذكور “وإن كانت النسب أيضا عالية هنا” فإن المواقف من بعض الأدوار الحساسة تعود في الغالب إلى تصورات ذكورية لتلك المواقع والأدوار بفعل التاريخ الطويل من إقصاء المرأة عنها، كما هو الحال في وجودها في الهيئات الدينية الرسمية.

شكل رقم (39) يبين العلاقة بيم متغير الجنس وقضايا المرأة

وبالعلاقة مع مكان الإقامة الحالي، فقد لوحظت فروقات واضحة في اتجاهات العينة نحو أدوار المرأة بالتوازي مع وجود عينة الدراسة في أماكن جغرافية مختلفة.

جدول رقم (8) يبين العلاقة بين أدوار المرأة ومكان الإقامة الحالي

جميع الأفراد (رجال ونساء) متساوون في الحقوق والواجبات وجود المرأة في الهيئات الدينية الرسمية وجود المرأة في المناصب السياسية القيادية
أوربا 92.1 57.1 90.1
تركيا 79.5 65 71.6
مناطق سيطرة قسد 65.7 56.7 71.3
الحكومة السورية(دمشق) 81.7 48.5 68.1
دول الجوار العربي 75.8 58.8 69.8
الحكومة المؤقتة 46.4 66.8 51.2
إدلب 32.1 36.5 25.4

 

ويلاحظ من خلال الجدول رقم 8، تدرج درجات قبول أدوار متقدمة للمرأة بالعلاقة مع ثقافة مجتمع العينة، فاتخذت النسب درجات متفاوتة بالعلاقة مع المكان كمتعين اجتماعي. لكن ذلك قد لا يمدّنا بدلالة كبيرة وثابتة. فعند الحديث عن أدورا المرأة في “الهيئات الدينية الرسمية”، لم يكن لمتغير دوره الواضح هنا، إذ كانت عينة أولابا في المرتبة الرابعة في نسبة موافقتها على هذا الدور، وارتفعت بشكل كبير في مناطق الحكومة المؤقتة كأعلى نسبة. وحتى في مجتمع كإدلب ارتفعت هذه النسب عن الأدوار الأخرى بشكل واضح.

ونعتقد هنا، أن التناقض في المواقف بين دور المرأة هنا، إما أن يكون مردّه إلى رفض وجود الهيئات الدينية بالمطلق في مؤسسات الدولة مستقبلا، أو عدم قناعة البعض من جدوى وجود المرأة في هذه الهيئات لأن ما يحكم القرارات الخاصة بها “الهيئات” يستند إلى نصوص وقضايا فقهية بعيدة عن رأي الذكور أو الإناث حولها.

أما بالعلاقة بين أدوار المرأة ومتغير الدين والطائفة الدينية، فقد اختلفت مواقف عينة الدراسة “حسب الطائفة” في كل دور للمرأة بشكل منفضل.

جدول رقم (9) يبين العلاقة بين أدوار المرأة والدين والطائفة الدينية

جميع الأفراد (رجال ونساء) متساوون في الحقوق والواجبات وجود المرأة في الهيئات الدينية الرسمية وجود المرأة في المناصب السياسية القيادية
اسماعيلي 93.3 62 85.3
درزي 81.1 33.3 61.1
سنّي 59.6 56.4 58
شيعي 29.9 41.8 37.3
علوي 89.8 40.4 70.9
مرشدي 66.7 45.1 54.9
مسيحي 93.3 62 85.3
يزيدي 81.1 33.3 61.1

 

ويتضح ذلك من خلال المكوّن الشيعي، الذي كانت نسب موافقته على المساواة والمناصب السياسية منخفضة جدا، مقابل نسبة مرتفعة في الهيئات الدينية. وفي الأحوال كافة، فقد كانت نسب الموافقة على أدوار المرأة في الهيئات الدينية أدنى بكثير من الموافقة على الأدوار الأخرى، باستثناء المكونين المسيحي والسنّي، اللذين لم يظهر تناقض في مواقفهما تجاه الأدوار الثلاثة. وتبقى مسألة المناصب الدينية من الأمور الخلافية بالنسبى للكثير من الطوائف والأديان، لاسيما في الطوائف ات البنية “الباطنية” التي لا يعرف بالتحديد أحكامها في هذه القضايا بشكل واضح.

لكن يمكننا القول، أن هناك اتجاها إيجابيا لدى عينة الدراسة من الأديان والطوائف كافة تجاه مواقع وأدوار المرأة في مؤسسات الدولة في سوريا المستقبل.

وبالعلاقة مع أنماط التدين، فقد كان هناك درجات جيدة من المرونة في القيم الثلاث المذكورة أعلاه من قبل أنماط التدين كافة. وتعنقد أن هذه النتيجة من المؤشرات التي يجب الوقوف عندها مطولا، لاسيما في علاقة أنماط التدين بمكانة وأدوار المرأة في الحياة العامة والشأن العام والبعد القانوني. وهو يمكن أن يرشدنا أيضا إلى نظرة جديدة لتمثل نمط التدين دون ربطه “عضويا” بمواقف مسبقة من الحياة العامة والمكوّنات المختلفة للمجتمع السوري وكذا الحال بالنسبة لأدوار الأفراد من رجال ونساء فيه.

وتبقى نقطة الانتباه حاضرة في نمط غير المتدين في قيمة “وجود المرأة في الهيئات الدينية الرسمية”، إذ حازت هذه النسبة في التأييد لدى هذا النمط مرتبة متدنية قياسا إلى نسب أنماط التدين. وهو يعيدنا إلى مساحة التحليل السابقة حول العلاقة المربكة والضبابية لهذا النمط مع “التدين” في فضائه الاجتماعي.

أما بالعلاقة بين هذه القيم وأنماط الشخصية، فقد تقاطعت نسب التأييد مع نسب تأييد أنماط التدين بشكل عام. لكن في قيمة “وجود المرأة في المناصب السياسية القيادية”، كان نمطي المنغلق والمنغلق بشدة رافضا لهذا المبدأ، رغم موافقتهما على قيم المساواة أما القانون على سبيل المثال. وربما يعود السبب إلى قناعات هذين النمطين بأن عمل السياسة القيادي يختص به الرجال لأسباب لها علاقة بنظرة تقليدية للمرأة وكيفية موازنة مهامها المختلفة في الحياة.

 

ثامنا- انتماءات متوازية بشكل أفقي

بعد مضي أكثر من عقد على الحراك الشعبي في سوريا، كان على السوريين أن يختبروا انتماءاتهم بالعلاقة مع كل المتغيرات السياسية والعسكرية والتدخلات الإقليمية والدولية في “الحالة السورية”. أكثر من عقد تاهت فيه “الأنا والهوية” السورية بين تجاذبات الإيديولوجيات المتنافرة ومشاريعها “غير المكتملة” على الأرض السورية. وكان على السوريين الذين خرجوا في حراك 2011، أن يعيدوا تعريف ذواتهم أولا بالعلاقة مع الثورة وثانيا وهو الأهم، مع مماهاة النظام السياسي بينه وبين مفهوم الوطن؛ الأمر الذي أفرز “شخصية سورية” لم تستطع التمييز بين الوطن والسلطة والهوية المتعينة في تعريفها لذاتها. وهو ما زاد من حالة الإرباك فيها “الشخصية” من خلال تغيرات المواقف أو الانسحاب أو الانكفاء.

ويبدو أن التجربة الصعبة التي عاشها السوريون “ولا يزالون”، من تشتت ولجوء وانسداد أفق الحل السياسي وابتعاد سوريا الموحدة أكثر من ذي قبل؛ عادت بمفاعيل متنوعة في إعادة طرح سؤال الأنا والهوية، مع كل الضبابية التي لمّا تزل تتشابك لتنتج حالات جديدة من التعقيد في الوضع السوري.

كانت أسئلة “الانتماء وتعريف الذات” من المتغيرات التي أردنا اختبارها بالعلاقة مع أنماط التدين لدى السوريين “عينة الدراسة”. وقد كان الانتماء الأول عامة (اعتمادا على عملية توزين إحصائية)، هو للانتماء الوطني السوري، ثم الانتماء الديني، وثالثا الانتماء العائلي. ثم عدة انتماءات أخرى منها القومي والمناطقي.

لكن مع ملاحظة تقارب الأرقام والخيارت لدى عينة الدراسة، فيبدو أن حالة الإرباك المستمرة في الوضع السوري، والتنازع والتجاذب بين المكونات السورية المختلفة، قد أعاد إلى المشهد انتماءات “أولية”، لم تستطع النسب الإحصائية أن تلغي أهميتها في وجودها كمحدد رئيس من محددات الولاءات لدى السوريين. وهو ما يدفعنا للاعتقاد بأن السنوات التي عايشها السوريون كانت كفيلة برسم حدود الانتماء بشكل أوضح من ذي قبل لديهم، سواء قبل الثورة أو في مراحل الثورة والحرب السورية مع ما حملته من تجارب قاسية على السوريين كافة. ومع التأكيد على أهمية ارتفاع مستوى الانتماء الوطني على حساب الانتماءات الأخرى، إلا أن بقاء الانتماءات المذكورة “في الشكل الآتي” واتخاذها الموقع الأولي في الانتماء لدى عينة الدراسة، يقلل من شأن نسبة عليا للانتماء الوطني في ظل وجود انتماءات متقاربة أولية لدى العديد من مكوّنات العينة.

 

شكل رقم (40) يبين الانتماء الأول لدى عينة الدراسة

أما بالعلاقة بين الانتماء الأول ونمط التدين، فقد كان الانتماء الوطني هو الأعلى لدى أنماط التدين الثلاث الأولى، أما نمط التدين الملتزم فقد غلب عليه الانتماء الديني وبنسبة أعلى من نسب الانتماء الوطني لدى الأنماط الأخرى من التدين. وهو أمر مبرر بشكل عام، فنمط التدين الملتزم يعطي الأولوية في انتسابه للمتغير الديني على حساب الانتماءات الأخرى كون الدين “كرؤية وتصور ذهني وسلوكي” يهضم الانتماءات الأخرى “الضيقة” ضمن إطار عام أوسع.

شكل رقم (41) يبين علاقة أنماط التدين مع الانتماء الأول

ويؤيد الكلام السابق هو وجود الانتماء الوطني كمرتبة ثانية لدى نمط التدين الملتزم ثم الانتماء العائلي، وهي الحدود المعروفة والمتوقعة لهذا النمط من التدين. أما على النقيض “نمط غير المتدين” فقد كان الانتماء السياسي في المرتبة الثانية ثم الانتماء القومي ثالثا. وهذا أيضا له مؤسر يمكن الاستدلال عليه بسيطرة الإيديولوجيا السياسية والقومية على هذا النمط، لاسيما مع انخفاض نسبة الانتماء الوطني لديه مقارنة بنمطي التدين القليل والمتوسط. وهو ما يرشدنا “بشكل عام” إلى توازي الانتماءات في خط أفقي لدى هذا النمط، إذ لا يمكن إهمال الانتماءات الأخرى في عملية التصور الكلي لعلاقة كل الأنماط عموما مع مفاهيم الوطن والقومية والعائلة والمنطقة. .(انظر ملحق الجداول).

وبالعلاقة بين الانتماء و”نمط الشخصية السورية”، فقد كانت النتائج متطابقة جدا، فكان الانتماء الأولي لدى النمط المنغلق والمنغلق بشدة هو الديني، مقابل الوطني لدى الأنماط الأخرى المنفتحة.

شكل رقم (42) يبين علاقة أنماط الشخصية مع الانتماء الأول

ومع ملاحظة ارتفاع نسب الانتماء الديني لدى نمطي المنغلق والمنغلق بشدة مقابل نسب الانتماء الوطني لدى الأنماط الأخرى؛ فإن الانتماءات التالية تعيدنا “كما الحديث عن العلاقة مع نمط التدين” إلى المشهد الأوسع للانتماء، إذ تواجدت العديد من الانتماءات الأولية متوازية مع الانتماء الرئيس، وإن كانت هنا بنسب أقل إلى حد معين. فكان الانتماء الثاني لدى نمط المنفتح على سبيل المثال هو الانتماء الديني، والانتماء العائلي لدة نمط منفتح نوعا ما؛ وهو ما يؤكد وجود مسارات أفقية متوازية في الانتماءات، قد تطغى واحدة على الأخرى (العائلي أو القومي على الوطني مثلا) تبعا لتغيرات أو أوضاع سياسية جديدة في سوريا.

وترابطا مع سؤال الانتماء، كان السؤال عن الهوية “التعريف عن الذات” وفق سؤال: كيف تعرّف/ين نفسك أمام الآخرين؟ وقد أظهرت العلاقة مع أنماط التدين”، تعريف الهوية الوطنية كتعريف أولي ورئيس أمام الآخرين، وذلك على حساب التعريفين الديني والقومي لدى أنماط التدين كافة، مع اختلاف النسب كما هو واضح في الشكل الآتي. إذ تنخفض النسبة لدى نمط التدين الملتزم مقارنة بالأنماط الأخرى.[1]

ومع ذلك فإن وجود “الهوية السورية” بشكل صريح لدى تعريف جميع “أنماط التدين” لنفسها أمام الآخرين، هو مؤشر إيجابي في التقدم خطوة نحو الإجابة على سؤال “الأنا السورية” عن نفسها بالعلاقة مع الآخرين.

شكل رقم (43) يبين علاقة أنماط التدين مع الهوية

ورغم الاختلاف في موضوع الهوية وسؤال الانتماء عند أنماط التدين، فيبدو أن متغير “الآخر” كمتعين خارجي هو الذي كان له الدور في ارتفاع نسب الهوية الوطنية هنا، على خلاف الانتماء الذي تتداخل فيه متغيرات المرجعيات الأولية “عائلة، منطقة، عشيرة” أو القومية أو الإيديولوجية.

وبالعلاقة مع نمط “الشخصية السورية”، فقد كان التعريف الديني هو التعريف الأول لنمط “المنغلق بشدة” مقابل التعريف الوطني لأنماط الشخصية الأخرى. ونرى هنا ثباتا لدى النمط المنغلق بشدة حول التعريف الديني كما في مسألة الانتماء، وهو ما يحيلنا إلى تزايد الرغبة في تصدير “الهوية الإسلامية” لهذا النمط أمام الآخرين، ربما كاستجابة لما تعانيه هذه الهوية من “فوبيا” تم تكريسها ونمذجتها كأسلوب نكوصي لدى من يتمثّلها، لاسيما في نسخها الأوربية والأميركية، إضافة إلى طبيعة الفهم الديني للهوية الذي يطغى على باقي الهويات.

شكل رقم (44) يبين علاقة أنماط الشخصية مع الهوية

تاسعا- متابعات متباينة لأحوال سوريا السياسية

بينت النتائج الميدانية تراجعا في اهتمام السوريين في متابعة التطورات السياسية في سوريا، فقد كانت نسبة المتابعة أحيانا 39.6%، مقابل المتابعة بنسبة 34.4%، وعدم المتابعة بنسبة 26%. وتعد نسب المتابعة إيجابية، بعد مضي عقد من الزمن على تسارع الأحداث وتداخلها على الأرض السورية، لاسيما مع فقدان الأمل بالتغيير وقناعة السوريين بأن سوريا “ربما” لن تعود كما السابق على الأقل على المدى المنظور. هذا إضافة إلى تخندق كل سلطة في سوريا في مواقعها بحيث يبدو أن أفق الحل الشامل بات بعيد المنال، وهو ما أسس “عند البعض” غيابا للحماس في الاهتمام بما يجري على المستوى السياسي. والتفاتهم/ن إلى الاهتمام بتأمين مقدرات عيشهم في مناطق الداخل السوري، ومحاولة بناء حياتهم في دول اللجوء.

شكل رقم (45) يبين متابعة التطورات السياسية السورية لأفراد العينة

وبالعلاقة مع أنماط التدين، فقد كانت “متابعة” الأخبار المتعلقة بسوريا هي الأعلى نسبة لدى أنماط التدين كافة، وكان ارتفاعها لدى نمطي غير المتدين والتدين الملتزم أكثر من النمطين الآخرين. وهو ما يدل على اهتمام لمّا يزل متواجدا بالعلاقة مع الوضع السياسي السوري. وإذا ما جمعنا المتابعة نعم وأحيانا، فإن النسبة تعود للزيادة كليا مقابل نسبة لعدم المتابعة هي الأقل هنا. وهذا ما تتطابق في العلاقة مع أنماط الشخصية، إذ كانت درجة المتابعة هي الأعلى بين النسب لدى أنماط الشخصية ودرجاتها.

شكل رقم (46) يبين متابعة التطورات السياسية في مناطق عينة الدراسة

أما ما يتعلق بمتابعة التطورات السياسية الخاصة بمنطقة المستجيب، فقد لوحظ ارتفاعا في النسب، وكانت نسبة المتابعة بنعم هي الأعلى لدى العينة الكلية. وهذا يعود إلى تركيز البعض على مناطقهم حسب الوضع العسكري والميداني وبالتالي السياسي الخاص بها. ونوع من الاهتمام المتعلق بالذاكرة الشخصية أو الجمعية الخاصة بأهلي وأبناء منطقة بعينها دون الأخرى.

وبالعلاقة مع أنماط التدين، كانت نسبة المتابعة أيضا مرتفعة لدى الأنماط كافة. وهو ما يستكمل تحليلنا السابق حول علاقة السوري بمكانه في سوريا سواء بقي فيه أم أُجبر على الهجرة، كون ذلك المكان يختزن التاريخ الاجتماعي الخاص به. وهو الأمر الذي سرى على أنماط الشخصية ودرجاتها، مع اختلاف النسب في المتابعة، كما في أنماط التدين.

 

عاشرا- غياب الشكل التنظيمي في الولاءات السياسية

شكل رقم (47) يبين انتساب العينة الحالي للأحزاب

 

بيّنت نتائج الدراسة الميدانية انخفاضا كبيرا “حاليا” في انتماء السوريين للأحزاب السياسية 11%، وذلك مقارنة مع وضع ما قبل 2011، حيث كانت النسبة 20.9%. [1]وفي الأحوال كافة، تعد هذه النسب “السابقة والحالية” ضئيلة عموما في العلاقة بين الانتماء السياسي والهياكل التنظيمية السياسية. لقد كان ضعف المشاركة مؤسسيا في الأحزاب السياسية في فترة حكم البعث والعائلة الحاكمة، يعود إلى جمع أطياف الحركات السياسية تحت نسق موالي لحزب البعث تمثل في “الجبهة الوطنية التقدمية” التي ضمّت الأحزاب المرضي عنها من قبل الحزب الحاكم وكان خطابها جزءا من خطاب السلطة. أما الأحزاب المعارضة فقد كانت محظورة وتعرّض أتباعها للملاحقات الأمنية والاعتقال الذي امتد في كثير من الأحيان إلى أكثر من عقد من الزمان.

ويبدو أن حالة الحراك الثوري لم تستطع أن تخلق تلك المساحات من الرغبة في الانتماء للأحزاب، وهو ما يمكن تفهمه؛ إ لم يظهر حزب سياسي جديد له برنامج واضح وثبات في خطابه تجاه ما يعتري الواقع السوري من إرباكات شائكة، وبقيت الأحزاب المعارضة القديمة محافظة على جزء من كوادرها “القليلة”، بل وشهدت بعض الأحزاب انقساما أو غيابا واضحا غن المشهد السياسي السوري. كل هذا ترافق مع فقدان ثقة السوريين في أي حزب سياسي ما دام لا يستطيع امتلاك القوة للتغيير أو تلبية متطلبتهم في التغيير الديمقراطي، أضف إلى ذلك التناحر بين الأحزاب القديمة والجديدة، أو بين الجديدة فيما بينها، حتى استقرت على أن تكون مجرد أسماء إعلامية دون فاعلية جماهيرية أو ذات تأثير سياسي.

شكل رقم (48) يبين انتساب العينة السابق للأحزاب

وبالعلاقة بين أنماط التدين، فقد بقيت النسب على حالها في الانخفاض، وكذا الأمر مع أنماط الشخصية. إذ لم يعط هذين النمطين مؤشرات تذكر في العلاقة بالانتماء الحالي بالأحزاب السياسية.

أما بالنسبة للانتماء السابق، فقد كان مرتفعا وعاد وانخفض في الوقت الحالي لدى نمط غير المتدين 32.1% ساباق و7.4% حاليا، وهو ما يسري على الأنماط الأخرى وإن بنسب متفاوتة. لكنها جميعا شهدت انخفاضا في نسبة الانتساب إلى الأحزاب في المرحلة الحالية. وهو أيضا ما تشابه إلى حد كبير مع الانتماء السابق في علاقته بأنماط الشخصية ودرجاتها.

حادي عشر- اتجاهات نحو أحزاب ذات هوية ديمقراطية/ ليبرالية

شكل رقم (49) يبين الاتجاه نحو تأييد الأحزاب والحركات السياسية

كشفت نتائج الدراسة الميدانية عن تأييد العينة بنسبة أعلى للأحزاب أو التيارات السياسية ذات التوجه الديمقراطي الليبرالي، ثم التوجّه القومي، وأخيرا التوجّه الديني. وذلك ضمن سؤال يستقصي توجهات العينة حول تأييدها للأحزاب والتيارات السياسية بناء على هويتها الإيديولوجية. وترشدنا خارطة الأرقام أدناه إلى وجود تنوع في توجهات السوريين على المستوى السياسي الإيديولوجي، ما يعني وجود مشارب متنوعة وبالتالي إمكانية تعايش تلك التوجهات سويا في بيئة ديمقراطية في سوريا المنشودة.

شكل رقم (50) يبين العلاقة بين أنماط التدين والتوجهات السياسية

وبالعلاقة مع أنماط التدين، فقد كانت النتائج متوفقة مع تحليلنا السابق، وهو التوازن تجاه الحياة السياسية من قبل متمثلي أنماط التدين، وذلك بناء على رؤية تبدو أكثر اتزانا في فهم متطلبات الحياة السياسية في سورية أكثر من نمط غير المتدين؛ المتكئ على رفض كل ما هو ديني دون نقاش أو دون اعتبار لموقع الدين في الحياة الاجتماعية والسياسية. وربما يؤيد تحليلنا هو وجود نسبة 29.6% من نمط غير المتدين أيّدت توجهات سياسية قومية؛ التي هي بشكل ما نوع من العقيدة الإيديولوجية تجاري الإيديولوجيا الدينية في الدرجة والشدة. وعلى العكس، نرى أن أنماط التدين الثلاثة قد حققت درجة من التوازن في فهم متطلبات المجتمع السوري، بل وانفتحت على أحقية وجود أحزاب بتوجهات متباينة، وهو ما يتطلبه أي مجتمع يؤمن بالتعدد.

بقي أن نذكّر دائما بأن نمط التدين هو ذاك الذي يتعلق بنمط التدين الخاص في العلاقة بين الفرد والطقوس والشعائر الدينية، وليس بالضرورة أن ينسحب على القضايا المدنية أو السياسية، رغم قناعتنا بوجود روابط بينهما.

أما بالعلاقة مع أنماط الشخصية وتدرجاتها، فقد اتضح دور الانفتاح أو الانغلاق في الشخصية بشكل أكبر هنا، رغم أن ذلك لم يعني وجود استبعاد كلي من نمطي المنغلق والمنغلق جدا، لكن التفضيلا ذهبت باتجاه التوجهات الدينية والوقمية بدرجة ثانية. وهو ما يؤكد تصوراتنا السابقة عن اختلاف نمط التدين عن نمط الشخصية، الذي قد يكون في بعض المواضع أكثر كشفا لبنية الشخصية وعلاقتها بالحياة المدنية والسياسية، وهو ما اتضح هنا وفي أكثر من علاقة ربط سابقة.

شكل رقم (51) يبين العلاقة بين أنماط الشخصية والتوجهات السياسية

ثاني عشر- غياب المرجعيات السياسية والدينية

تتضارب الإيديولوجيات حاليا في الحالة السورية، ويمكن أن يكون لموقف جسم أو هيئة سياسية أو دينية تأييدا من فرقاء في التوجه العام بينهما؛ لكن المواقف التي قد تتخذه بعض تلك الأجسام أو الهيئات ربما يلقى الدعم ممن لا ينتمون إليه أو أن منهج عمله العام لا يتوافق مع تصوراتهم. وبالضد أيضا، يمكن أن تلعب الإيديولوجيا الدينية أو القومية دورها هنا في تمثل مواقف بعض الهيئات والأجسام “سياسية أو دينية”.

كان السؤال الرئيس هنا هو عن الأجسام أو الهيئات (سياسية أو دينية) التي تعبّر عن الموقف السياسي للمستجيب. وقد تم تحليل هذه الأجسام والهيئات بناء على علاقة الارتباط مع أنماط الدين.

شكل رقم (52) يبين تمثّل عينة الدراسة للأجسام والهيئات السياسية والدينية

وقد بيّنت نتائج الدراسة الميدانية، ضعف ثقة السوريين “عينة الدراسة” في الأجسام أو الهيئات السياسية/ الدينية السورية. ولم تحز أي هيئة أو جسم الحد الأدنى من التوافق عليها من قبل عينة الدراسة.

ويجب التنويه هنا إلى أن هناك نسب عالية من خيارات “لم أسمع به/ بها” و”غير مهتم”، وهي تعد مؤشرا أيضا على ابتعاد العديد من هذه الأجسام والهيئات عن القواعد الاجتماعية السورية في أماكن تواجدهم في سوريا ودول الشتات.

 

وبالعلاقة مع أنماط التدين، فقد بيّنت نتائج الدراسة الميدانية أيضا، عدم وجود جسم أو هيئة سياسية أو دينية حازت الحد الأدنى من التوافق عليها من قبل أي نمط من أنماط التدين في عينة الدراسة. مع التنويه طبعا إلى وجود نسب مئوية عالية في بعض خيارات “لم أسمع به/ بها” و”غير مهتم”.

شكل رقم (53) يبين العلاقة بين أنماط التدين وتمثلهم للأجسام والهيئات السياسية والدينية

 

جدول رقم (10) يبين أنماط التدين وتمثلهم للأجسام والهيئات السياسية والدينية

الأجسام والهيئات السياسية/ الدينية متدين ملتزم متدين متوسط متدين قليل غير متدين
1 رابطة علماء الشام 29 19.8 4.7 0
2 رابطة العلماء السوريين 22.9 14.7 3 1.2
3 المجلس الإسلامي السوري (أسامة الرفاعي) 28.2 22.1 6.9 1.2
4 المجلس الفقهي الأعلى (التابع للحكومة السورية في دمشق) 10.7 8.6 5.8 0
5 المجلس الشيعي الإسماعيلي الأعلى 4.5 4.2 4.9 0
6 الحكومة السورية المؤقتة 16.4 16.2 9.6 1.2
7 حكومة الإنقاذ في إدلب 12.2 8.4 1.6 0
8 هيئة التنسيق الوطنية للتغير الديمقراطي 5.1 3.7 6.3 8.6
9 تنظيم الإخوان المسلمين 10.1 6.5 0.4 0
10 الحكومة السورية في دمشق 18.6 15.6 16.3 1.2
11 الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) 1.1 0.9 0.1 0
12 قوات سورية الديمقراطية (قسد) 6.2 6.2 11.2 9.9
13 المجلس التركماني السوري 3.4 3.8 1.5 0

 

ترشدنا هذه النتائج على غياب ثقة جميع أنماط التدين بأي جسم أو هيئة “سياسية أو دينية” في خطابها السياسي، وبالتالي هذا ما يرشدنا إلى فشل جميع الهياكل السياسية والدينية في الوصول إلى برنامج أو خطاب سياسي أو ديني واضح، يخاطب شرائح المجتمع السوري وتطلعاته، وبالتالي فشله في تمثل السوريين لمواقفه أو خطابه. وهو أمر يتوافق عموما مع جذر الأزمة السياسية في الحالة السورية، وانفصال الخطاب السياسي عن القواعد الاجتماعية. فقد تأسست العديد من الهيئات والأجسام السياسية والدينية خلال العقد المنصرم، لكنها بقيت تعمل في فلسفة البنى التنظيمية التقليدية دون أن يكون لديها برنامج سياسي واضح، أو استهداف محدد لشرائح السوريين المختلفة المشارب، فبقيت تمارس عملها السياسي نظريا دون أن تشكل أي ثقل أو وزن عند السوريين. وحقيقة فإن هذا يسري على جميع الهيئات والأجسام، بما فيها تلك المُكرسة “الإخوان المسلمون مثلا”.

وحسب النتائج، ونتائج العديد من الدراسات المتعلقة بالشأن السياس السووري، فإن هناك ملاجة جوهرية وهي “إجماع” السوريون على عدم وجود جهة “هيئة/ جسم/ كتلة/ تيار” يرون أنها تمثل تطلعاتهم السياسية، وهذا “ربما” ما يجعلنا نتفهم ذلك الإرباك والتشتت بين السوريين فيما يتعلق بالخيارات السياسية.

 

ثالث عشر- نكوص باتجاه المنظومات الأولية

سعت الدراسة إلى اختبار أهم المرجعيات السياسية لدى “عينة الدراسة”، وذلك من خلال وجود خيارات لا تتعلق فقط بالمرجعيات السياسية، وإنما تتعداها إلى مرجعيات متباينة ومتعددة، بغية معرفة أي منها ذو تأثير في تبني المعرفة والموقف السياسي لدى العينة بشكل عام.

ورغم أن السؤال قد استقصى عن أهم ثلاث مرجعيات، لكننا آثرنا عرض جميع المرجعيات في العينة الكلية.

شكل رقم (54) يبين المرجعيات السياسية لأفراد العينة

ويتضح من الشكل أعلاه، العودة إلى المرجعيات “الأولية” التي تمثل مصدر ثقة لدى أفراد تنظيم اجتماعي سوري محدد. فكانت “الشخصيات الموثوقة من محيطي المحلي” هي المرجعية الأعلى لدى العينة بنسبة 52.6%، وجاءت في المرتبة الثانية “المفكرون السياسيون” 41.3%، ثم “رجال الدين من طائفتي” 28.1%. ويتضح أيضا غياب المرجعية السياسية التنظيمية متمثلة في الأحزاب السياسية “التي رأينا عدم فاعليتها لدى أفراد العينة سابقا”.

وبالعلاقة مع أنماط التدين، فقد كانت “الشخصيات الموثوقة من محيطي المحلي” هي المرجعية الأولى لدى نمطي التدين الملتزم ونمط التدين بشكل متوسط (54.9%، 54%) على التوالي. وقد تكون هذه الشخصيات ذات رؤى تحليلية موضوعية أو مصدر ثقة لدى جماعة اجتماعية معينة، بحيث تكون تصوراتها السياسية متوافقة مع تصورات تلك الجماعة.

أما المرجعية السياسية الأولى لنمطي غير المتدين والمتدين بشكل قليل، فقد كانت “المفكرون السياسيون” (59.3%، 51.1%) على التوالي. وهذه تعد نتيجة مفهومة، إذ غالبا ما يلجأ نمط غير المتدين إلى مرجعيات فكرية سياسية، أو إلى أحزاب سياسية، ويبتعد قدر الإمكان عن المرجعيات الأولية أو الدينية، وكذا الأمر مع نمط قليل من التدين. ومع ذلك، فقد وجدنا نسبة غير قليلة (30.9%) من نمط غير المتدين و(50.4%) لدة نمط التدين القليل، تعتبر الشخصيات الموثوقة في المحيط المحلي هي مرجعية سياسية لها، وهو ما يعيدنا إلى أمرين: أولهما تعريف الأشخاص لذواتهم على المستوى الفكري والوجداني، وثانيهما حالة الإرباك والتناقضات في الوضع السياسي السوري الحالي.

أما المرجعيات الأخرى، فقد حازت لدى أنماط التدين مراتب متدنية في الأهمية، ونسبًا قليلة على المستوى الإحصائي قياسا إلى رفضها لتلك المرجعيات.

شكل رقم (55) يبين العلاقة بين أنماط التدين والمرجيعات السياسية

رابع عشر- هوية عربية لسوريا .. وتفهّم لمكوّنات التعدد السورية

فضّلت عينة الدراسة تسمية سوريا في المستقبل باسم (الجمهورية العربية السورية) كأعلى نسبة من العينة الكلية 53.7%، ثم (سوريا) 48.4%، ثم 44.8% (الجمهورية السورية)، و(الجمهورية السورية العربية) 22.6%.

شكل رقم (56) يبين تفضيل عينة الدراسة لاسم سوريا في المستقبل

 

إن وضع اختيار اسم “سوريا” أو”الجمهورية السورية” في خانة واحدة، لا يتفق في نفس المفهوم، وذلك بسبب تفضيل اسم “الجمهورية” لدى 44.8% من العينة كنظام حكم رئيس في اسم الدولة، وهو ما يختلف عن اسم “سوريا” “العام”، الذي قد يحمل اتباع سوريا لأي نظام حكم، كون الاسم لا يعطي مدلولا واضحا على نمط الحكم. لذلك اقتضى التنويه هنا حول هذه النقطة.

 

ويتضح من الأرقام السابقة، بقاء الرغبة لدى غالبيةالعينة بالانتماء القومي العربي، وتصديره في اسم سوريا في المستقبل، كما هو حال تسميتها في الوقت الحالي. كما أن الموافقة على تسمية (سوريا) أو (الجمهورية السورية) بنسب عالية، ربما يعود إلى مراعاة المكوّنات القومية والإثنية التي تتواجد في مجتمع متنوع. ولكن بالتأكيد ليس الموافقة على سياسة الانفصال كما في تسمية (الاتحاد السوري الفيدرالي)، وهو ما يعكس رغبة في سوريا موحدة تتعايش فيها المكونات القومية والعرقية والإثنية والدينية، مع حقوق كل فئة من هذه الفئات، لكن دون اللجوء إلى عملية سياسية تستهدف تقسيم سوريا إلى كيانات حسب المكوّنات المختلفة، حتى وإن كان الفكرة في دولة لا مركزية وليس في “دعوات انفصالية” على سبيل المثال.

كما أن هناك عدم قبول واسع لتعريف سوريا بالدين كما هو الحال في اسم (الجمهورية الإسلامية السورية)، وهي نقطة إيجابية. إذ لا يجب أن تنعكس المكونات الدينية في اسم الدولة، سواء حسب التقسيم الديني أو الإيديولوجي، ولنا في (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) مثالا يُحتذي في كيفية “مصادرة” اسم الدولة لكل المكوّنات التي تشكل هوية الدولة.

أما بالعلاقة بين اسم سوريا المستقبلي وأنماط التدين، فقد بيّنت النتائج الميدانية، أن الاختيار الرئيس لنمطي التدين الملتزم والتدين بشكل متوسط هو “الجمهورية العربية السورية”. أما نمط التدين بشكل قليل فقد اختار اسم “سوريا” كاسم سوريا المستقبلي. واختار نمط غير المتدين اسم “الجمهورية السورية” لاسم سوريا المستقبلي، متوافقا مع ابتعاده عن الدين والقومية، وجعل الاسم عامًا دون دلالة، ربما لاعتبارت حقوق القوميات والإثنيات المختلفة التي تشكل سوريا كدولة ومجتمع.

شكل رقم (57) يبين العلاقة بين أنماط التدين واسم سوريا في المستقبل

على مستوى آخر، رأى 41% من العينة بضرورة أن يكون رئيس سوريا مسلم، بينما أيد 52% أحقية وجود رئيس لسوريا من جميع الأديان والطوائف، و60% وجدوا أن للمرأة حق في الترشح لرئاسة سوريا.

ورغم استغلال النظام للمسألة الطائفية طوال سنوات حكمه، ووفي مرحلة انطلاق الحراك الثوري؛ إلا أن ارتفاع نسبة “أحقية وجود رئيس لسورية من جميع الأديان والطوائف” إنما تدل على عدم تعميم تجربة النظام على الحياة السياسية السورية عامة، أو لأن مستقبل سوريا مرهون بتغيير ديمقراطي ودستور جديد، وبالتالي سوف ينضبط أي سلوك سلطوي يستخدم الدين أو الطائفة لخدمة مصالحه. كما أن هناك تقدما في مساواة جميع الأفراد في الممارسة السياسية، واتضح ذلك من تأييد “حق المرأة الترشح لرئاسة سوريا” بنسبة عالية.

شكل رقم (58) يبين موقف عينة الدراسة من رئيس سوريا في المستقبل

أما بالعلاقة مع أنماط التدين، فقد كانت عبارة “اشتراط أن يكون رئيس سوريا مسلم” قد حازت النسبة الأعلى لدى نمط التدين الملتزم والمتوسط (64.7%، 46.2%)، بينما كانت نسبة عدم الموافقة هنا بالنسبة لنمط التدين بشكل قليل 61.2% ونمط غير المتدين 92.6%.

أما “أحقية وجود رئيس لسورية من جميع الأديان والطوائف”، فقد وافق عليها أنماط التدين المتوسط والقليل وغير المتدين، مقابل رفضها من قبل نمط التدين الملتزم. وحتى نمطي التدين المتوسط والقليل فقد كانت نسبة الموافقة أدنى من نمط غير المتدين. ويمكن تفسير ذلك بالتخوف من إعادة سيناريو تجربة العائلة في حكم سوريا وتخديم الطائفة الدينية لمصالحها.

أما عن “حق المرأة الترشح لرئاسة سوريا”، فقد شكلت إجماعا بين أنماط التدين الثلاثة ونمط وغير المتدين. وهو مو المؤشرات الإيجابية للإقرار بأدوار المرأة السياسية ومعاملتها كمواطن كما الذكور، وأيضا يرشدنا إلأى أن الحساسية المتعلقة بمتغير الدين والطائفة عند بعض الأنماط إنما هو نتيجة لما قاسته سوريا من نظام تلاعب بالدين كيفما تتحرك مصالحه.

وبالربط مع متغير الطائفة، فقد رفضت كل المكونات الطائفية “الأقليات” اشتراط أن يكون رئيس سوريا مسلم، باستثناء المكوّنين السّني والشيعي، وكانت أعلى نسبة للموافقة عند المكوّن “الشيعي” 77.6% مقابل 54.7% لدى المكوّن السني. ونعتقد هنا أن ارتفاع هذه النسبة لدى “الشيعي” يعود إلى تفسيرين: الأول اعتبار “الشيعي” لروايته الرسمية حول الدين والخلافة وتلك القضايا التاريخية والدينية هي الصحيحة والمعتمدة، وثانيا: تأثره بنمط حكم “ولاية الفقيه” كما يتجسد حتى الآن في إيران.

وتبع ذلك برفضه أيضا “أحقية وجود رئيس لسورية من جميع الأديان والطوائف”، بينما وافقت جميع الأديان والطوائف على ذلك. واستمر الرفص في موضوع “حق المرأة الترشح لرئاسة سوريا”، إذ كان هو المذهب الذي رفض ذلك أيضا، بينما وافق عليه الجميع.

يفسر هذا التشدد والتقوقع الإيديولوجي الديني لدى المكوّن “الشيعي”، ربما، للراديكالية التي تعامل بها هذا المكون في سوريا مع الحراك الثوري، مترافقا مع الشيعة القادمين من الخارج “لبنان، العراق، إيران، الخ” وقيامهم بسلسلة مجازر على أساس طائفي. ويحيلنا “في ذات الوقت” إلى بنية الانغلاق الشديد الذي تميزه بل وتقصي “الآخر” إلى مرتبة العدو، وهو ما يفسر مشاريع “التشييع” التي لم تنته حتى اللحظة في سوريا (مناطق حكومة دمشق على وجه التحديد).

شكل رقم (59) يبين العلاقة بين الدين والطائفية وضرورة وجود رئيس مسلم

 

خامس عشر- الحرب والجسد الاجتماعي .. تأثيرات سلبية وارتدادات أولية

لا تقتصر الآثار السلبية للحرب فقط على أعداد القتلى والمفقودين والمغيبين قسريا، أو حتى على دمار البنيى التحتية للبلاد، وما يتبعها من جهود كبيرة لإعادة الإعمار، الخ. إن التأثير الجذري قد أصاب الجسد الاجتماعي السوري، بمؤسساته كافة والبنى التي كان قائما عليها. صحيح أنه وقبل 2011، كان هناك الكثير من التساؤلات حول التركيب الاجتماعي في سوريا والانكفاء على المكوّنات الأولية في بعض التنظيمات الاجتماعية؛ لكن التحليل العميق لها كان يحيلنا دائما إلى سياسيات الحكومة السورية وخططها في تكريس نكوص المجتمعات المحلية إلى شكل أولي من العلاقات وتجاذبات القوى داخل كل مجتمع وحسب خصوصيته. فعلى سبيل المثال، كان هناك عملية مقصودة لإفشال خطط التنمية في ريف حلب والقامشلي، وهو ما أدى إلى الانقطاع الكبير بين تلك الأرياف والمدينة ومؤسساتها، فعاشت في انغلاق واضح في شبكة علاقاتها وتصدر المشهد “توازيا مع مخرجات صفر لمشاريع التنمية” مجموعة من الشخصيات ذات الصلة بالنظام الأمني في المنطقة، مهمتها الحفاظ على القطيعة بين مكونات المجتمعات المحلية وكبح أي مبادرة اقتصادية/ تكافلية من شأنها تحقيق تنمية تدرجية “موسمية مثلا” في تلك المجتمعات.

وبعد عام 2011، وسلسلة التشابكات والتجاذبات في المواقف تجاه الحراك الشعبي، وتدخلات آلات النظام العسكرية والإعلامية؛ انقسم السوريون إلى اتجاهات متباينة سياسيا واجتماعيا وعسكريا، ودخلت البلاد في دوامة الحرب مع تدخلات إقليمية ودولية، وبرزت مشكلة التهجير والنزوح الداخلي، والشتات واللجوء السوري في دول الجوار وأوربا وأماكن لجوء أخرى.

المتغير الجوهري الذي برز هو غياب “المرجعيات” الموثوقة لجموع السوريين، أو قُل لتواجدهم كتنظيمات خاصة في كل مجتمع لجوء، أو في الداخل السوري. غياب المرجعيات يعني غياب المعايير والقواعد الناظمة لنمط التفكير والذهنية السورية تجاه ما يجري في سوريا وارتباطه تتاليا مع العالم الخارجي بكل تعقيداته.

لقد غاب الخطاب الوطني السياسي السوري الذي يستطيع السوريون الإجماع عليه. وترافق ذلك مع فشل المسارات التي تشكلت لحل المشكلة السورية، وفشل خطاب حكومة دمشق في بقاء كسب مؤيديها بعد التخبط السياسي والاقتصادي وتأثيره على السوريين هناك. وكذلك فشلت سلطات الأمر الواقع في إدلب وريف حلب ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في تقديم مرجعيات وطنية وبنى مؤسسية لمن يعيشون في تلك المناطق.

أضف إلى ذلك، غياب الشخصيات أو “الرموز” الوطنية الجامعة، إذ لم تظهر شخصيات مستقلة تستقطب القطاع الأكبر من السوريين، مع تحقيق (النُخب السورية) معادلتها المعهودة منذ ما قبل 2011، وهي أنها بقيت بعيدة عن القواعد السورية في تنظيماتها الاجتماعية؛ مُكرّسة فشلها وضبابية موقفها وإرباك خطابها.

شكل رقم (60) يبين رأي العينة في التغيرات التي أصابت المجتمع السوري

 

لقد بيّنت نتائج الدراسة الميدانية، اتفاق عينة الدراسة على بروز جملة من المشكلات ذات التعقيد العالي، ليس أولها الارتداد إلى المرجعيات الأوّلية، في صيغة لتنظيمات اجتماعية ما قبل حديثة. والتي أبرزت عودة العائلة والعشيرة كمرجعية رئيسة لأفرادها، وهو أمر نستطيع تفهمه في الحقيقة، لاسيما مع غياب أدوار مؤسسات الدولة في رعاية مواطنيها، وهو لم يكن حاصلا حتى قبل الحراك الثوري بشكل سليم.

جملة من الظواهر أيضا حصلت على إجماع عينة الدراسة تجاه تأثير الحرب على البنية الاجتماعية، وهي تستحق الوقوف عندها مطولا، وتحتاج إلى دراسات معمقة حولها، لأنها أثرت على النسيج الاجتماعي السوري بنيويا، وتتطلب جهودا كبيرة لإعادة هندسة الجسد الاجتماعي السوري في حدود علاقته بمرجعياته.

وتبدو “المسألة الطائفية” متصدرة للخلل في لمشهد الاجتماعي العام، وهي مفرز طبيعي من مفرزات الحرب، وذلك بسبب اعتماد النظام السياسي عليها في تجييش “طائفته” لكسب تأييدهم ضد الحراك الثوري، عن طريق تصدير خطاب شعبوي ضد المكوّن الديني الرئيس في سوريا “السّنة”، وإيهامهم بأن الحراك قائم في بنيته على إقصاء طائفة النظام والانتقام منها. وهو ما نجح به بامتياز؛ ما أسس لميليشيات طائفية باتت تحارب تحت مسميات ورموز دينية، حتى تحول الصراع إلى صراع ديني/ طائفي لديهم، جلب معه عديد من الميليشيات الطائفية من خارج سوريا، لتحارب الشعب السوري تحت حجة رواية اخترعها النظام السياسي للحفاظ على بقائه.

وهذا كان في رأي عينة الدراسة هو الذي أسس للارتداد إلى الطائفة الدينية لدى السوريين، فما دام الجميع يُحارَب باسم العامل الديني، فقد كان من المتوقع أن يتم الرد، عمليا ونظريا، على راديكالية النظام وطائفيته “في العنف والإقصاء” بخطاب مشابه من التموقع في حدود الطائفة الدينية أيضا لدى الآخرين.

كل ذلك أسس لسيادة الهوية الدينية على حساب الهوية الوطنية، لاسيما مع الإقصاءات المتبادلة من قبل الجميع، وإن كانت البداية دائما مرهونة بالنظام و”ركوبه سياسيا” على طائفته، فظهرت مقولات المجتمع المتجانس وغيرها، التي تدل على “خطة استبعاد ممنهج” من قبل النظام؛ ما أسس لإرساء شكل الجسد الاجتماعي السوري على ما هو عليه الآن في المناطق التي يسيطر عليها.

وكنتيجة نافلة، ازداد دور رجال الدين في الحياة اليومية والعامة لدى السوريين، وبات الدين هو المرجعية الأولى لدى قطاعات كبيرة لديهم، ترافقا مع ظهور النزعات القومية للعلن، كما هو الحال لدى أكراد سوريا؛ إذ كانت الحرب فرصة لهم للمطالبة بكيان قومي، كمقدمة للانفصال عن سوريا، وهو ما تم العمل عليه على أرض الواقع، فباتت مناطق الشمال الشرقي من سوريا تحت حكم قيادات سياسية وعسكرية كردية، تمارس حياتها السياسية وكأنها دولة أو كيان مستقل معترف به.

وبنظرة على الأرقام في الشكل السابق، تتجلى مفاعيل التشتت السوري الناجم عن غياب أدوار الدولة في مناطق سوريا الداخلية كافة، وغياب الهوية السورية الجامعة؛ وهي التي رأت النسبة الأعلى من العينة أن سوريا بحاجة إليها الآن أكثر من أي وقت مضى (ازدادت الحاجة لوجود هوية وطنية جامعة للسوريين 83.9%).

وتبدو الرغبة في وجود هوية وطنية ينضوي السوريون تحت رايتها، من أهم النتائج التي تفتح الأفق على فهم وعي السوريين “عينة الدراسة” بمفاعيل الحرب وارتداداتها وترافقها مع عودة التنظيمات الاجتماعية السورية إلى شكل ما قبل حديث للعلاقات الاجتماعية وللمرجعيات الحياتية، فعادت العشيرة والعائلة لتكون مرجعية أولى لدى العديد من المجتمعات المحلية. كما كان من مفرزات الحرب السورية بروز العديد من الظواهر بفعل التجاذبات المختلفة أو الإقصاء والاستبعاد من قبل طرف أو أكثر تجاه الآخر.

إن كل الشروخ التي شوهت الجسد الاجتماعي السوري، كان برأي عينة الدراسة نتائج بديهية من منهجية عمل النظام السياسي طوال عقود حكمه في قمع الكثير من المكوّنات السورية، على أساس قومي أو فكري أو ديني أو مناطقي. لذلك، فقد كان من شأن الحراك الشعبي “في حال نجح وقتها بإسقاط النظام السياسي” أن يعيد ترتيب الهندسة الاجتماعية التي أسسها النظام وسياساته القمعية، عن طريق الاعتراف بتعدد المجتمع السوري وما يترتب عليه من إعطاء المكونات القومية والعرقية حقوقها الثقافية الخاصة ضمن الإطار العام لدولة ديمقراطية.

لذلك، فإن كل مفرزات الحرب على المستوى الاجتماعي، كان متوقعا لها أن تبرز وتظهر وتشكل شبكة من الصراعات البينية بين السوريين. لقد أسست عقود القمع الطويلة للنظام السياسي في سوريا إلى الراديكالية التي نراها اليوم على مستويات عدة، أهمها قضايا الهوية والانتماء. وما يجعلنا نتقدم خطوة في بناء برامج وطنية، هو وجود درجة عالية من الوعي لدى السوريين “عينة الدراسة” في فهم ما آلت إليه الأحوال الاجتماعية والسياسية بسبب الحرب ودور النظام في تكريسها، وهو ما يشكل مدخلا نحو بناء سياسات وطنية موحدة، تعتمد هذا الإدراك والفهم للمشهد السوري.

 

 

استنتاجات الدراسة

 

  1. كان نمط التدين السائد لدى عينة الدراسة هو نمط التدين المتوسط “المرن”
  2. كان نمط التدين الملتزم منخفضا “بشكل عام” لدى جميع المكونات الدينية والطائفية
  3. لم تعتبر الدراسة مؤشرات التدين سلبية أو إيجابية، وإنما كان توزين النمط بناء على قربه أو بعده بدرجات عن ممارسة الطقوس والشعائر الدينية الخاصة به، دون إدخال متغيرات أخرى على هذا المقياس كالسياسة مثلا
  4. ساد “نمط التدين المتوسط” في مناطق الدراسة باستثناء دول أوربا وتركيا بدرجة ثانية، التي ارتفع فيها (نمط التدين القليل) ليكون الأعلى
  5. كان (نمط غير المتدين) هو الأعلى في أوربا بين مناطق الدراسة، وقد يعود الأمر إلى مساحات الحرية الشخصية في اتخاذ نمط التدين الخاص بكل فرد دون ضغوط اجتماعية أو نسق ثقافي عام يُجبر معه بعض الأفراد إلى الإتيان بسلوكيات دينية مراعاة للطقس العام المحيط.
  6. كان نمط الشخصية السورية السائد “عينة الدراسة” منفتحا على العلاقة مع الآخر في المسائل الاجتماعية والاقتصادية وتفاصيل الحياة اليومية الأخرى، (منفتح بشدة ومنفتح نوعا ومنفتح 75.2%)، ما يشير إلى عدم اعتبار دين أو مذهب “الآخر” متغيرا أساسيا في تقرير نمط العلاقة معه، لاسيما وأن المقياس اعتمد على تفضيلات المستجيبين اعتمادا على متغير “الدين” في العلاقات الحياتية المذكورة أعلاه.
  7. نمط الشخصية (في هذه الدراسة) لا يرتبط بالبعد الديني، أو لا يرتبط به كمتغير رئيس، وإنما تدخل فيه عوامل وتجارب اجتماعية وشخصية وذاكرة محلية وتصورات جمعية. لذلك سوف نرى لاحقا اختلافات في المواقف بين أنماط التدين وأنماط الشخصية تجاه قضايا الحياة المدنية والسياسية.
  8. أيّدت عينة الدراسة الخيارات المختلفة لوجود مرجعيات دينية ومدنية للتشريعات التي تخص الأحوال الشخصية والحياة الاجتماعية في سوريا.
  9. كانت الاختلافات في تصورات العينة لوجود التشريعات الحاكمة للحياة الاجتماعية أو تلك التي تختص ببعض الأديان والمذاهب؛ تعود إلى انحيازات لأنماط مدنية أو مرجعيات دينية أو أخرى مختلطة بين الديني والمدني، استنادا إلى مخرجات الواقع التشريعي في تجربة النظام السياسي في نسقها القانوني، أو تأثرًا بنمط التدين الخاص أو المجتمعات الحاضنة وتجربة السوريين فيها.
  10. كانت السمة الغالبة لنمط غير المتدين هي عدم تقبّل علاقة الأنساق الاجتماعية والقانونية بالمتغير الديني، وعلاقة المرجعيات الدينية للأديان والطوائف والمؤسسات بالدولة. واتضح هذا الأمر بالعلاقة مع التشريعات المختلفة التي تخص الأحوال الشخصية والمدنية.
  11. رفضت عينة الدراسة مسألة (المحاصصة الدينية أو الطائفية) في الممارسة السياسية
  12. أجمعت العينة على وجود قانون يتساوى تحت سقفه الجميع، ما يعكس الرغبة في وجود عدالة قانونية؛ غابت خلال عقود حكم البعث والعائلة الحاكمة في سوريا لصالح طائفة دينية بعينها.
  13. أيدت عينة الدراسة المساحات الواسعة للحرية الدينية للسوريين، سواء تعلق الأمر بأنماط التدين ودرجاته وحرية ممارسة كل فرد لنمطه الخاص، أو حرية الاعتقاد الديني والتي يدخل في إطارها قرار الفرد بالإيمان أو عدمه، أو حتى تغيير معتقده دون مساءلة من أية جهة، وحرية الأديان والطوائف بممارسة طقوسها وشعائرها دون تقييد أو إقصاء.
  14. يوجد اتجاه إيجابي متقدم نحو قضايا مواقع وأدوار المرأة في الحياة العامة السورية، على مستويات عدة. في مستوى المساواة تحت سقف القانون دون تمييز جندري، ووجودها في مناصب سياسية قيادية، وحتى في هيئات دينية رسمية.
  15. كان الانتماء الأول عامة (اعتمادا على عملية توزين إحصائية)، هو للانتماء الوطني السوري، ثم الانتماء الديني، وثالثا الانتماء العائلي. ثم عدة انتماءات أخرى منها القومي والمناطقي
  16. بقيت الانتماءات الضيقة الأولية موجودة بشكل متواز مع الانتماء الأولى لسوريا
  17. تراجع اهتمام السوريين بمتابعة التطورات السياسية في سوريا
  18. انخفاض كبير في انتماء السوريين للأحزاب السياسية مقارنة مع ما قبل 2011
  19. لم يستطع الحراك الثوري خلق رغبة في الانتماء للأحزاب، بسبب عدم وجود حزب سياسي له برنامج واضح وثبات في خطابه يتوافق عليه السوريون
  20. توجهت عنية الدراسة للأحزاب والتيارت السياسية ذات التوجه الديمقراطي الليبرالي، ثم التوجّه القومي، وأخيرا التوجّه الديني
  21. عدم وجود جسم أو هيئة سياسية أو دينية حازت على توافق عينة الدراسة كمرجعية سياسية لها
  22. نكوص باتجاه المرجعيات “الأولية” في فهم السياق السياسي السوري
  23. فضّلت عينة الدراسة تسمية سوريا في المستقبل (الجمهورية العربية السورية) كأعلى نسبة من العينة
  24. بروز جملة من المشكلات ذات التعقيد العالي على المستوى الاجتماعي (الارتداد إلى المرجعيات الأوّلية العائلة والعشيرة، ازدياد الاحتقان الطائفي، الارتداد إلى الانتماء إلى الطائفة الدينية، طغيان الهوية الدينية على الهوية الوطنية والقومية)
  25. برزت الحاجة إلى وجود هوية وطنية سورية جامعة ينضوي السوريون تحت رايتها

 

ملحق الدراسة (استبيان الدراسة الميدانية)

 

1 الجنس ذكر
أنثى
2 العمر 18- 27
28-37
38-47
48-57
58 فما فوق
3 ما هو دين أو طائفة أسرتك؟

 

مسيحي
سنّي/ ة
علوي/ ة
اسماعيلي/ ة
شيعي/ ة
مرشدي/ ة
يزيدي/ ة
درزي/ ة
4 الحالة الاجتماعية عازب/ة
متزوج/ة
منفصل/ة
أرمل/ة
5 المستوى التعليمي تاسع وما دون
ثانوي
معاهد متوسطة أو تقنية
جامعي
فوق جامعي (ماجستير ودكتوراه)
6 مكان الإقامة الأصلي في سورية
7 مكان الإقامة الحالي

 

 

 

 

 

 

مناطق سيطرة النظام
مناطق الحكومة المؤقتة
مناطق إدلب وريفها
مناطق شمال شرق سورية (قسد)
تركيا
الدول العربية (تذكر الدولة):
دول أوروبا (تذكر الدولة):
8 الحالة المهنية طالب/ ة
يعمل/ تعمل
لا يعمل/ لا تعمل

ثانيا- الدين والشأن الشخصي

101 من مقياس 0 إلى 3 يرجى وضع اختيارك على كل عبارة (1 للأدنى و3 للأعلى) 0 1 2 3
الالتزام بتعاليم ديني (الشعائر والطقوس)
الالتزام بالمبادئ الأخلاقية لديني
المشاركة في المناسبات الدينية البحتة

(الإسراء والمعراج، المولد النبوي االشريف، ليلة النصف من شعبان، ميلاد السيد المسيح، الخ). ولا تدخل هنا المناسبات التي اتخذت طابع اجتماعي كأعياد الفطر والأضحى أو رأس السنة الميلادية

دعوة الآخرين من ديني إلى الالتزام بمبادئ الدين

 

102 ما مدى موافقتك على العبارات الآتية؟ موافق/ة بشدة موافق/ة موافق/ة إلى حد ما غير موافق/ة غير موافق/ة بشدة
أفضل أن يكون أصدقائي من نفس ديني
أفضل أن يكون جيراني من نفس ديني
أفضل العمل مع أشخاص من نفس ديني
أفضل التعامل مع أشخاص من نفس ديني في المؤسسات التعليمية أو القضايا العلمية
أفضل التعامل مع أشخاص من نفس ديني في الأمور الاقتصادية (التجارة وغيرها)

ثالثا- التدين والحياة المدنية

201 ما هو موقفك من المقترحات الآتية؟ موافق/ة غير موافق/ة موافق/ة إلى حد ما غير مهتم/ة لا أعرف
بقاء الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع في سورية
وجود تشريع مدني/ وضعي للحياة الاجتماعية موحد لجميع السوريين
وجود تشريع مختلط (ديني ومدني) للحياة الاجتماعية
وجود تشريعات اجتماعية خاصة بأصحاب المذاهب والأديان الأخرى
أتباع جميع الأديان والطوائف متساوون تحت سقف القانون
استقلال المؤسسات الدينية وعدم رقابة الدولة عليها
رجال الدين مكوّن أساسي في مؤسسات الدولة
توزيع مناصب الدولة حسب حجم كل دين وطائفة
حرية الاعتقاد الديني (حرية الإيمان والإلحاد)
حرية تغيير المعتقد الديني دون محاسبة
نمط التدين ودرجاته مسألة شخصية ونمط حياة خاص
حق جميع الأديان والطوائف القيام بجميع شعائرها بحرية
202 اختر/ي أكثر ثلاث قيم تعبر عنك (1 للأعلى و3 للأدنى)

 

الانتماء الوطني
الانتماء الديني
الانتماء القومي
الانتماء العائلي أو العشائري
الانتماء المناطقي
الانتماء السياسي أو الفكري
203 كيف تعرّف/ين نفسك أمام الآخرين؟

 

 

وطني (سوري أولا)
قومي (عربي، كردي، تركماني، غير ذلك أولا)
ديني (مسلم، مسيحي، طائفتي أولا)
أخرى(تذكر):

رابعا- التدين والحياة السياسية

301 هل تتابع/ين التطورات السياسية في مناطق سورية المختلفة؟

 

نعم    
لا
أحيانا
302 هل تتابع/ين التطورات السياسية في منطقتك؟

 

نعم
لا
أحيانا
303 هل تنتمي/ين حاليا إلى حزب أو حركة سياسية؟ نعم
لا
304 هل انتميت سابقا إلى حزب أو حركة سياسية؟ نعم
لا
305 هل تؤيد/ين حزب أو حركة سياسية، لها: نعم لا
توجه قومي
توجه ديني
توجه ديمقراطي ليبرالي
توجه آخر(يذكر):

 

306 أي من هذه الأجسام والهيئات تعبر عن موقفك السياسي؟ نعم لا غير مهتم/ة لم أسمع به
رابطة علماء الشام    
رابطة العلماء السوريين
المجلس الإسلامي السوري (أسامة الرفاعي)
المجلس الفقهي الأعلى (التابع للحكومة السورية في دمشق)
المجلس الشيعي الإسماعيلي الأعلى
الحكومة السورية المؤقتة
حكومة الإنقاذ في إدلب
هيئة التنسيق الوطنية للتغير الديمقراطي
تنظيم الإخوان المسلمين
الحكومة السورية في دمشق
الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)
قوات سورية الديمقراطية (قسد)
المجلس التركماني السوري
أخرى: (تذكر)
307 حدد/ي أهم ثلاث مرجعيات سياسية لك:    
  رجال الدين    
  رجال السياسة    
  رجال الدين من طائفتي    
  شخصيات موثوقة من عشيرتي    
  شخصيات موثوقة من محيطي المحلي    
  مفكرين سياسيين    
  أحزاب سياسية    
  الحزب السياسي الذي أنتمي له    
  مرجعية أخرى(تذكر)    
308 ما هي درجة موافقتك على ما يأتي في مستقبل سورية؟ موافق/ة غير موافق/ة موافق/ة إلى حد ما غير مهتم/ة لا أعرف
(الجمهورية الإسلامية السورية)
(الجمهورية السورية)
(الجمهورية العربية السورية)
(الجمهوية السورية العربية)
الاتحاد السوري الفيدرالي
سوريا
309 ما هي درجة موافقتك على ما يأتي في مستقبل سورية؟ موافق/ة غير موافق/ة موافق/ة إلى حد ما غير مهتم/ة لا أعرف
اشتراط أن يكون رئيس سورية مسلم
أحقية وجود رئيس لسورية من جميع الأديان والطوائف
حق المرأة الترشح لرئاسة سورية
310 أثّرت حالة الحرب والنزاع في سورية على السوريين فيما يلي: موافق/ة غير موافق/ة موافق/ة إلى حد ما غير مهتم/ة لا أعرف
أصبحت العائلة هي المرجعية الأولى للسوريين
أصبحت العشائر هي المرجعية الأولى للسوريين
أصبح الدين هو المرجعية الأولى للسوريين
ازداد دور رجال الدين في حياة السوريين اليومية
ازداد الاحتقان الطائفي بين السوريين
ازداد الاحتقان بين المقيمين والنازحين
ارتد السوريون إلى الانتماء إلى الطائفة الدينية
ازدادت النزعة القومية بين السوريين
ازداد دور رجال الدين في الحياة السياسية السورية
طغيان الهوية الدينية على الهوية الوطنية والقومية
ازدادت الحاجة لوجود هوية وطنية جامعة للسوريين

 

 

[1]– نشير هنا أن هذه النسبة لا تمثل انتماء سياسي حقيقي وبالتالي مشاركة سياسية حزبية، وإنما الرغبة في الانتماء للحزب الحاكم بحثاً عن مصلحة أو دفعاً لضرر

[2]– انظر: البعث والإسلام في سوريا: سلالة الأسد في مواجهة العلماء، قراءة في كتابة الباحث البلجيكي توماس بيريه، أحمد نظير أتاسي، معهد العالم للدراسات، 1/7/2016. https://bit.ly/3AD9Sbu

[3]– انظر: القبيسيات.. تنظيم ديني “نسوي” لا يدخله الرجال، ليلى الرفاعي، الجزيرة نت، 8/5/2017. https://bit.ly/3ceiPi8

[4]– انظر: البعث والإسلام في سوريا: سلالة الأسد في مواجهة العلماء

[5]– تمت العودة إلى العديد من الدراسات والأبحاث الميدانية المنشورة في المراكز البحثية السورية حول مواقف السوريين من الوضع السياسي في سورية بتشابكاته المعقدة، والاستئناس بالنتائج العامة لتلك الدراسات والأبحاث.

[6]– هند أبو حطب، مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، دار الفجر، القاهرة، 1997، ص 195.

[7]– التقرير الدولي بشأن الحرية الدينية في سوريا لعام 2020، سفارة الولايات المتحدة في سوريا. https://bit.ly/37DuCo0

[8]– تم جمع التعريفات المختلفة في السؤال تحت ثلاثة بنود هي: الوطني والديني والقومي.

[9]– ننوه هنا إلى وجود نسب مئوية من إجابات “لا أعرف” و”غير مهتم”، ولكن تم إهمالها لأنها لا تشكل قيمة إحصائية ولأن التركيز كان على درجات الموافقة حول هذه العبارات.

[10]– اعتمد المقياس على قيم درجات الانفتاح والانغلاق، واختصارا سوف نطلق عليه “نمط الشخصية السورية” وذلك اختزالا لقيم المقياس التي نعني بها: نمط الانفتاح ودرجاته لدى السوريين في علاقتهم مع الآخر في قضايا اجتماعية وتعليمية وعملية.

[11]– اعتمدت الدراسة على تمثيل الطوائف الدينية فقط، أما كل ما يتعلق باتجاه أو نمط يرفض التدين أو الطائفة الدينية فهو لم يدخل إجرائيا هنا، لمنع اللبس الاصطلاحي والمنهجي، كما هو الحال في وجود خيارات (ملحد، لا ديني). وقد تم تمثيل نمط غير المتدين من ضمن الخيارات المتاحة التي استخرجت من المقياس الذي تم تصميمه.

[12]– الجمهورية العربية السورية، مجلس الشعب، القانون 49 لعام 1980 المتعلق بالإخوان المسلمين (يعتبر مجرما ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الأخوان المسلمين). https://bit.ly/3AD0xAs

العودة للأعلى